« اشترك في قائمة التجديد البريدية »
راسلنا على www@tajdeed.net
لجلب آخر عنوان يتخطى الحجب.
آخر عنوان معلن:

https://www.tajdeed.org.uk
twitter
فهرس الأقسام » منتدى قضايا الأمة وأحداث الساعة » توحيد المحبة والولاء . أ. د. محمد بن عبدالله المسعري  XML
الكاتب عنوان الرسالة
عبدالله الأسمري

[Avatar]



مواضيعه: 1490
المكان: جزيرةالعرب المحتله
غير متصل

نشر عبر الفيس بوك


توحيد المحبة والولاء

لقد درسنا أدلة التوحيد، وأركانه، وأقسامة دراسة مفصلة في كتابنا: (التوحيد: أصل الإسلام وحقيقة التوحيد)، بما يغني إن شاء الله عن إعادته مفصلاً هاهنا، لذلك نكتفي بتلخيصه في لمحات خاطفة.

u فصل: أركان التوحيد

كما هو مفصل في كتابنا: (التوحيد: أصل الإسلام وحقيقة التوحيد) يتبين أن التوحيد له ركنان أساسيان:

الأول: إفراد الله بالعبادة، أي بالخضوع والطاعة، والتسليم، المبنية على منتهى المحبة والتوقير والتعظيم؛

v قال الله تعالى: }ألر كتاب أحكمت آياته، ثم فصلت من لدن حكيم خبير، ألا تعبدوا إلا الله إننى لكم منه نذير وبشير{، (هود؛ 11:1).

v وقال تعالى: }ولقد أرسلنا نوحًا إلى قومه، أني لكم نذير مبين، أن لاتعبدوا إلا الله، إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم{، (هود؛ 11:25).

v وقال تعالى: }واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف، وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه، ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم{، (الاحقاف؛ 46:21).

والثاني: إفراد رسوله محمد بن عبد الله، صلوات الله وتبريكاته وسلامه عليه وعلى آله، بالاتباع: فكما أننا لا نعبد إلا الله، فكذلك لا نتبع إلا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

قال الله تعالى: }قل إن كنتم تحبون الله، فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفورٌ رحيمٌ{، (آل عمران؛ 3:31).

v وقال تعالى: }وما أتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه، فأنتهوا، واتقو الله إن الله شديد العقاب{، (الحشر؛ 59: 7).

v وقال تعالى: }فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت، ويسلموا تسليما{، (النساء؛ 4:25).

u فصل: أقسام التوحيد

ينقسم التوحيد إلى عدة أقسام منها:

(1) توحيد الذات (والاسماء والصفات)، وتندرج تحته فروع.

(2) توحيد الخلق والتكوين والإيجاد من عدم.

(3) توحيد التصرف والتدبير.

(4) توحيد الحاكمية والتشريع.

وهذه الأنواع الأربعة السابقة كلها تتعلق بالمعرفة والعلم والقول والاعتقاد فهى كلها إذاً من توحيد «العلم والاعتقاد»، ولا نبعد كثيراً إذا اعتبرناها كذلك أقساماً لـ «توحيد الربوبية والألوهية»، الذي هو باب واحد، أو قسم واحد، إذا عرف التعريف الصحيح.

(5) توحيد العبادة والتقديس.

(6) توحيد الطاعة والاتباع.

(7) توحيد المحبة والولاء.

وهذا الانواع الثلاثة الأخيرة تتعلق بأفعال العبد الظاهرة والباطنة، فهي إذاً أقسام لتوحيد «القصد والإرادة والطلب»، ولا نبعد كثيراً إذا اعتبرناها كذلك أقساماً لـ «توحيد العبودية»، وهو الباب الآخر المقابل لـ ـ«توحيد الربوبية والألوهية»، إذا عُرِّفَ كلاهما التعريف الصحيح.

وقد يقول قائل: ماذا أصاب القسمة الثلاثية الشهيرة: «توحيد الربوبية»، «توحيد الألوهية»، و«توحيد الأسماء والصفات»؟!

فنقول: هذه قسمة غيرمنضبطة، لتداخل أقسامها، ولا حاصرة، لخروج أصناف مهمة من التوحيد منها، فضلاً عما ترتب عليها من إشكالات لا تنحصر، لذلك قررنا هجرها.

ويتضح ذلك تماماً إذا استقرأنا معاني اللفظين: «رب»، و«إله»، كما جاءت في الكتاب العزيز، وكما استخدمها العرب الفصحاء زمن نزول القرآن، الذي نزل بلسانهم.

أما «الرب» فهو لفظ يأتي في العربية بمعنيين:

(1) السيد، أي المتصرف المدبر، الآمر الناهي، الحاكم المشرع

(2) المالك: أي مالك العين أو الشئ ملكية تعطيه حق التصرف في العين باستهلاكها كأكل الخبز، أو لحم الشاة بعد ذبحها، أو التمتع بمنفعتها كركوب الدابة، وكذلك حق البيع أو الهبة أو التأجير للعين أو المنفعة بحسبها.

فـ«الرب» أبلغ في الدلالة وأقوى من «السيد»، مع كونه مرادفاً له في مجمل المعاني. والرب أو السيد هو كذلك ضرورة الآمر الناهي، وإلا لم يكن مالكاً متصرفاً مدبراً. هذا معلوم بالضرورة من لغة العرب، ومن دين الإسلام ونصوصه، في مثل قول الله تعالى حاكياً كلام يوسف لصاحبي السجن: }أما أحدكما فيسقي «ربه» خمراً، ...{، (يوسف؛ 12:41)، أي سيده أو مالكه أو صاحب السلطان عليه، وليس بالضرورة معبوده بالمعنى الضيق، أي الذي تصرف له الشعائر التعبدية، وهذا المعنى هو بعينه في قوله تعالى في نفس السورة حاكياً كلام يوسف مرة أخرى: }وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند «ربك»،...{، (يوسف؛ 12:42)، ومرة ثالثة: }فلما جاءه الرسول قال: ارجع إلى «ربك» فسئله ما بال النسوة الاتي قطعن أيديهن...{، (يوسف؛ 12:50). وهذا المعنى نفسه هو المقصود من قوله تعالى في حق الأحبار والرهبان: }اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، والمسيح بن مريم، ...{، (التوبة؛ 9: 31). أي سادة يشرعون ويطاعون، كما سنفصله في موضعه بعد قليل، مع أنه معلوم من ضرورة النقل التاريخي ومشاهدة الواقع الحالي أنهم لم تصرف لهم، أي الأحبار والرهبان، شعائر تعبدية بالمعنى الضيق، ولا كان الناس يعتقدون فيهم «ألوهية» بمعنى ألوهية الذات، أو الخلق والإيجاد من عدم أو تدبير الكون والتصرف فيه، أما المسيح بن مريم، عليه وعلى والدته أتم الصلاة وأزكى التسليم، فهو عندهم بخلاف ذلك رب وإله تام الألوهيه، تصرف له العبادة، ويتقرب إليه بالشعائر والقرابين والأعمال الصالحة. وهذا المعنى هو كذلك المتداول في لسان العرب، فيقول قائلهم: رب البيت، وربة البيت.

وقد جاء النص الشرعي بنهي العبد المملوك أن يقول لمالكه: «ربي وربتي»، وليقل بدلاً من ذلك: «سيدي، وسيدتي»، وبنهي المالك عن مقولة: «عبدي، وأمتي» واستبدالها بألفاظ: «فتاي، وفتاتي»، تأدباً مع الله، جل وعلا، وبحيث ينحصر استخدام افظة: «رب» في حق الله، جل وعز، كما هو الحال في الأغلبية الساحقة من آيات الكتاب العزبز، في قريب من ألف موضع.

أما لفظة: «إله»، وقريب منها «إل»، في العربية، وكذلك في اللغات السامية الأخرى، كالعبرانية والأرامية السريانية، وغيرهما، لفظة: «إيل»، الذي تتركب منه أسماء مثل: إسرائيل، وإسرافيل، وميكائيل، وجبرائيل، وعزرائيل، وعمانوئيل، وعزازيل، وغيرها. ولفظ الجلالة: الله، وهو في الآرامية مشتق في الأرجح من: الإله، بالتعريف، ثم تداولت الألسنة حتى أصبح علماً على الذات الإلاهية المقدسة، الجليلة المعظمة، إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، ويعقوب، والنبيين من بني إسرائيل. كما يوجد في العربية فعل: «يتأله» بمعنى يعظم الشعائر، أو يتعبد، وهو كذلك على وزنه، والظاهر أنه مشتق من الأصل الثلاثي: «أ ل ه»، وهو لفظ جامد، لا يوجد منه فعل ثلاثي في العربية.

هذا من حيث اللفظ، ولكن المهم هو المعنى، وهو بحمد الله قد أوضحه الكتاب العزيز، في مواضع عدة، قال تباركت أسماؤه: }قل: أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم، من «إله» غير الله يأتيكم به؟!{، (الأنعام؛ 6:46)، فالإله هو القادر على الإتيان بالسمع والبصر بقدرته الذاتية، عبد أو لم يعبد.

v وقال، جل وعز: }ما اتخذ الله من ولد، وما كان معه من إله، إذا لذهب كل «إله» بما خلق، ولعلا بعضهم على بعض ...{، (المؤمنون؛ 23:91)، فالإله هو الذي يخلق بقدرته الذاتية، وهو الذي يعلوا على غيره ويقهر فلا ينافس ولا يقهر بقدرته الذاتية، عبد أو لم يعبد.

v وقل، جل من قائل: }أمَّن خلق السموات والأرض، وأنزل لكم من السماء ماءً فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أ«إله» مع الله؟! بل هم قوم يعدلون{، (النمل؛ 27: 61)، فالإله هو القادر على الخلق، المنزل الماء من السماء منبتاً حدائق ذات بهجة. وتستمر الآيات التالية معددة صفات الإله، التي يستحق بها أن يكون إلها: خلق الأرض برواسيها وأنهارها وجعلها قراراً صالحة للحياة، إجابة المضطر إذا دعاه، وكشف السوء، استخلاف الإنسان في الأرض، الهداية في ظلمات البر والبحر، وإرسال الرياح بالمطر، بدء الخلق ثم إعادته، ... إلخ، إلخ، وجد مخلوقون عقلاء قادريون على معرفته وعبادته، أو لم يوجد، عرف أو لم يعرف، عبد أو لم يعبد.

v وفي سورة القصص: }من إله غير الله يأتيكم بضياء، أفلا تسمعون{، (القصص؛ 28:21)، فالإله هو القادر على الإتيان بالضياء. وتستمر الآيات التالية فتنص على أن الإله هو الذي يأتي بالليل والنهار، وجد مخلوقون عقلاء قادريون على معرفته وعبادته، أو لم يوجد، عرف أو لم يعرف، عبد أو لم يعبد

v والإله هو السيد التام السيادة، والرب المطاع طاعة مطلقة، كما قال فرعون متوعداً لموسى: }لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين{، (الشعراء؛ 26:29).

v والإله هو الذي لا يضام. فيجير على كل أحد، فلا ينقض جواره، ويشفع عند كل أحد، فولا ترد شفاعته: }أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا؟! لا يستطيعون نصر أنفسهم، ولا هم منا يصحبون{، (الأنبياء؛ 21:43)، وقال تعالى في سورة يس: }أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئاً، ولا ينقذون{، (يس؛ 36:23).

v والإله هو الذي يحيي الموتى، فيخرجهم للبعث والنشور، قال تعالى: }أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون؟!{، (الأنبياء؛ 21:21).

وهكذا، وهكذا، في مواضع كثيرة: صفات معينة يستحق من اتصف بها أن يسمَّى إلهاً، وحينئذ يمكن أن يتصور أن يتقرب إليه أو أن يعبد ويعظم. فالعبادة والتقديس تبع لكونه إلهاً، أي متصفاً بصفات معينة، كما هو مفصل في كتابنا: (التوحيد: أصل الإسلام وحقيقة التوحيد)، فليراجع.

وعلى كل حال فسوف نجتنب استخدام القسمة الثلاثية لأن شأنها أصبح ملتبساً، لا يعرف بدقة ما المقصود به: أهو القسم الأول: «توحيد العلم والاعتقاد»، وهو على التحقيق «توحيد الربوبية والألوهية»، أم القسم الثاني: «توحيد القصد والإرادة والطلب» وهو على التحقيق «توحيد العبودية».

والذي يجب التأكيد عليه، والتشديد فيه، على كل حال، هو أن هذه التقسيمات كلها اصطلاحية، لم يأت بها النص الشرعي. وهي كلها محدثة لم يستعملها أحد من القرون (أي الأجيال) الثلاثة الفاضلة مطلقاَ، بل لم تظهر إلا بعد انقراض أكثر من عشرة أجيال، في آواخر القرن السابع الهجري باجتهاد من الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، لمعالجة بعض القضايا التي أهمته في عصره، ومع ذلك لم يسترح تلميذه شيخ الإسلام ابن قيم الجوزية لها فمال إلى تبني القسمة الثنائية المنضبطة: توحيد «العلم والاعتقاد»، وتوحيد «القصد والإرادة والطلب»،.

لذلك فلا مكان لفتوى «هيئة كبار العلماء» في ما يسمَّى بـ«السعودية» التي نشرتها مجلة «الهدي النبوي» في عددها السابع، صفحة (25-26)، وذلك جواباً على سؤال المدعو «د. صهيب حسن» التالي:

سؤال: [بدأ بعض الناس - من الدعاة - يهتم بذكر توحيد الحاكمية، بالإضافة إلى أنواع التوحيد الثلاثة المعروفة. فهل هذا القسم الرابع يدخل في أحد الأنواع الثلاثة، أو لا يدخل، فنجعله قسماً مستقلاً حتى يجب أن نهتم به؟! ويقال أن الشيخ/محمد بن عبد الوهاب اهتم بتوحيد الألوهية في زمنه حيث رأى الناس يقصرون من هذه الناحية، والإمام أحمد في زمنه في توحيد الأسماء والصفات حيث رأى الناس يقصرون في التوحيد، في هذه الناحية، أما الآن فبدأ الناس يقصرون في توحيد الحاكمية: فلذلك يجب أن نهتم به، فما مدى صحة هذا القول؟!]، انتهى السؤال بحروفه، إلا علامات الترقيم والفواصل فهي من اجتهادنا، لتسهيل قراءة النص الركيك.

الجواب: [أنواع التوحيد ثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وليس هناك توحيد رابع. والحكم بما أنزل الله يدخل في توحيد الألوهية. وجعل الحاكمية نوعاً مستقلاً من أنواع التوحيد عمل محدث لم يقل به أحد من الأئمة فيما نعلم. لكن منهم من أجمل، وجعل التوحيد نوعين: توحيد في المعرفة والإثبات: وهو توحيد الربوبية، والأسماء والصفات؛ وتوحيد في الطلب والقصد، وهو توحيد الألوهية ، ومنهم من فصل فجعل التوحيد ثلاثة أنواع كما سبق، والله أعلم.

ويجب الإهتمام بتوحيد الألوهية جميعه: ويبدأ بالنهي عن الشرك لأنه أعظم الذنوب، ويحبط جميع الأعمال، وصاحبه مخلد في النار. والأنبياء جميعهم يبدئون بالأمر بعبادة الله والنهي عن الشرك. وقد أمرنا الله باتباع طريقهم، والسير على منهجهم في الدعوة وغيرها من أمور الدين.

والاهتمام بالتوحيد بأنواعه الثلاثة واجب في كل زمان لأن الشرك، وتعطيل الأسماء والصفات، لا يزالان موجودين بل يكثر وقوعهما، ويشتد خطرهما في آخر الزمان، ويخفى أمرهما على كثير من المسلمين، والدعاة إليها كثيرون ونشيطون. وليس وقوع الشرك مقصوراً على زمن الشيخ/محمد بن عبد الوهاب، ولا تعطيل الأسماء والصفات مقصوراً على زمن الإمام أحمد - رحمهما الله - كما ورد في السؤال، بل زاد خطرهما، وكثر وقوعهما في في مجتمعات المسلمين اليوم فهم بحاجة ماسة إلى من ينهى عن الوقوع في فيهما، ويبين خطرهما مع العلم بأن الاستقامة على امتثال أوامر الله، وترك نواهيه، وتحكيم شريعته: كل ذلك داخل في تحقيق التوحيد والسلامة من الشرك، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم]، انتهى الجواب بحروفه، إلا علامات الترقيم والفواصل فهي من اجتهادنا. هذا هو جواب ما يسمَّى بـ «هيئة كبار العلماء»!

‏@ummahasm2
mafa.asia dr-hakem.com h-alali.cc alsomod-iea.com kavkazcenter.com jazeeratalarab.com
عبدالله الأسمري

[Avatar]



مواضيعه: 1490
المكان: جزيرةالعرب المحتله
غير متصل

نشر عبر الفيس بوك


والمتأمل في هذا «الجواب» العبقري لا يجد أثارة من العلم، إلا قليلاً. فهناك:

(1) تدليس وتلبيس، إن لم يكن تضليل متعمد، في وصف التقسيم الآخر بأنه «عمل محدث»، يوهم القاريء أو السامع البسيط، بأنه بدعة من الناحية الشرعية، وهو بالقطع ليس كذلك، لأن كل التقاسيم المذكورة، بما فيها تقسيمنا في هذا الكتاب، مخترعة محدثة على كل حال. وهي اصطلاحات، لا مشاحة فيها، وإن كانت الدقة والمطابقة لواقعها مطلوبة، وإلا أصبحت عديمة الجدوى، قليلة النفع، بل تنقلب مضرة موهمة. وقد أقام كتابناك (كتاب التوحيد: أصل الإسلام، وحقيقة التوحيد) البرهان على أن تقسيم ابن القيم، وهو القسمة الثنائية، التي سماها «كبار العلماء!» مجملة، تدليساً وتمويهاً، هي القسمة المنضبطة، لا سيما إذا فرعت إلى أقسامها الثانوية كما جاء هناك!

وتخوفاتنا هذه ليست تهمة بالظنة، وليست «وسوسة»، ولكنها حقيقة واقعة، حيث صرح ابن عثيمين، عضو «هيئة كبار العلماء» هذه نفسها، بأنه قول محدث، مبتدع، منكر، وأنه بدعة ضلالة، كما سيأتي بعد قليل!

(2) تدليس وتلبيس في نسبة القسمتين لأهلها، لأن القسمة الثنائية تعود إلي ابن القيم، وهو تلميذ ابن تيمية، والجامع لعلمه، والمحرر لمذهبه، كما هو معلوم. فلو ذكر ذلك لشك القاريء في سلامة القسمة الثلاثية واقناعيتها، ووفائها بالمقصود، وإلا فلم خالف التلميذ شيخه المبجل في ذلك، على ما عرف من تعظيمه له، ونصرته لأقواله، وتحريره لها؟!

(3) الإصرار على القسمة الثلاثية بالرغم من قصورها ذاتياً، وكونها ذريعة لفقهاء السلاطين إلى إخراج ساداتهم وكبرائهم من فجرة الحكام من حمئة الشرك، ووصمة الكفر، وتعرضها للنقد الموضوعي على مدى نصف القرن الفائت.

(4) وفي الجانب الآخر تتم الإشارة إلى «الحكم بغير ما أنزل الله» إشارة عرضية ضعيفة، لا تسمن ولا تغني من جوع!

(5) جهل مطبق بواقع الناس اليوم، وما يدور في مجالسهم من نقاش وجدال. فلا تكاد تجد أحداً في الدنيا يخوض في دقائق «الأسماء والصفات»، اللهم إلا جهلة أتباع الدعوة الوهابية الذين يدعون «السلفية» أنفسهم فقط، من أمثال السائل «صهيب حسن»، وهيئة كبار العلماء «السعوديين»، ومقلديها، ومن لحق بهم من الجهلة، والظلاميين، والموسوسين، والمبتدعين، أما كلام الناس فهو حول: التشريع والحاكمية، وحقوق الإنسان، وخيانات حكام المسلمين للأمة، وتوليهم للكفار، وحقوق المرأة، والمسيرات أو المظاهرات في بلد كيت وكيت. أما وساوس «خلق القرآن»، وما قاله بشر المريسي وغيره، و(هل النبي نور حقيقة أو مجاز)، فلا يتكلم عنها إلا المهوسين من أدعياء «السلفية»، و«الأحباش»، ومن شابههم، والمجرمين القتلة من «الجماعة الإجرامية المسلحة» في الجزائر، وأعداء الله ورسوله وصحابته المتسمين زوراً وبهتاناً «جيش الصحابة» في باكستان، الذين يقتلون أهل الإسلام، ويذرون أهل الأوثان، ومن لف لفهم من الذين يعيشون ظلمات «الماضي»، أو في عوالم خيالية أخرى، لا تمت بصلة ولا سبب إلى واقع الدنيا المعاصر، وعالم الناس اليوم.

كل ذلك يثير الشك في «الهيئة» وأعضائها، ويرجح أنهم، أو بعضهم من فقهاء السلاطين. لا سيما إذا عرفنا سكوتهم المريب على تولي دولتهم، دولة آل سعود«الدولة المباركة، التي نصر الله بها الحق وأهله»، على حد تعبير كبيرهم بن باز، للكفار، وتمكينهم من احتلال جزيرة العرب، وحصار العراق لإجاعة أهله وتعذيبهم وترويعهم، بل لقتلهم وإبادتهم، ثم العدوان عليه واحتلاله، وكذلك غيره من بلاد المسلمين، لتجويع المسلمين وإذلالهم، بل لإبادتهم والقضاء عليهم؛ كل ذلك مقروناً مع تبديل الشرائع، وسن أنظمة التابعية والجنسية الكفرية، والترخيص للبنوك الربوية، ومحاربة الدعوة الإسلامية الواعية المخلصة، ووصمها بالإرهاب أو الانحراف أو الابتداع أو الغلو، ناهيك بعضوية المنظمات الكفرية الدولية مثل: الأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومجلس التعاون الخليجي، وغيرها، إلى غير ذلك من الكفريات والفظائع، التي يشيب لها، والله، الطفل الوليد.

وإذا كانت الفتوى آنفة الذكر لـ«هيئة كبار العلماء» ليس فيها كبير أثارة من علم، فالفتوى التالية لعضو نفس الهيئة «الشيخ» محمد الصالح العثيمين لا تصلح إلا أن توصف بأنها خزي وعار وفضيحة!

قال الشيخ في اللقاء رقم (150) من لقاء الباب المفتوح الأسبوعي، وهو مسجل على شريط كاسيت:

إجابة على السؤال «الألمعي»: [ما تقول، عفا الله عنك، فيمن أضاف للتوحيد قسماً رابعاً سماه توحيد الحاكمية؟!]،

فكان الجواب «العبقري»: [...، نقول أنه ضال، وهو جاهل! لأن توحيد الحاكمية هو توحيد الله عز وجل: فالحاكم هو الله عز وجل! فإذا قلت التوحيد ثلاثة أنواع، كما قاله العلماء، توحيد الربوبية فإن توحيد الحاكمية داخل في الربوبية، لأن توحيد الربوبية هو توحيد الحكم والخلق والتدبير لله عز وجل!

وهذا قول محدث منكر! وكيف توحيد الحاكمية؟! ما يمكن أن توحد الحاكمية! هل معناه أن يكون حاكم الدنيا كلها واحداً، أم ماذا؟!

فهذا قول محدث، مبتدع، منكر ينكر على صاحبه، ويقال له: إن أردت الحكم، فالحكم لله وحده، وهو داخل في توحيد الربوبية: لأن الرب هو الخالق، المالك، المدبر للأمور كلها! فهذه بدعة وضلالة]. إهـ.

أرأيت هذا الهذر واللغو المضحك؟! نحن لا نتكلم عن ركاكة الأسلوب، وضعف اللغة، فهو متوقع في مثل هذا التسجيل الشفوي. وليس ابن عثيمين ممن لم يعرف بالدقة، وحسن التفريع، بل هو كذلك، يعرفه من قرأ دراسته وفتاواه في دقائق فقه «الحيض والنفاس»، و«الدماء الطبيعية للنساء». كلا، والله: إنها المجاملة والمداهنة للسلاطين الذين يحكمون بغير ما أنزل الله!

ثم أليس الحكم الشرعي هو أن يكون المسلمون أمة واحدة، لها ذمة واحدة، حربها واحدة، وسلمها واحدة، وأمانها واحد، ودولتها واحدة، وإمامها: الإمام الأعظم أو الخليفة واحد؟! أليس كذلك؟! أليست الحالة المثالية المطلوبة شرعاً هي: حمل الإسلام إلى كافة بني آدم حتى يدخلوه، أو يخضعوا لنظامه، تحت سلطان واحد؟! فأي غرابة في توحد المسلمين في كيان واحد، تحت حاكم واحد، لا سيما أنه هو الواجب الشرعي؟! وما القبيح في توحيد الدنيا كلها، عند الاستطاعة، تحت سلطان الإسلام الكامل العادل، فيهنأ المؤمن، ويستريح الكافر؟! إن ابن عثيمين يعلم ذلك بيقين، ولا يمكن أن يكون عن ذلك غافلاً، فلم الاستهزاء والسخرية إذن؟! ألا يخشى ابن عثيمين أن توبخه الملائكة عند موته: }أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون v لا تعتذروا، قد كفرتم بعد إيمانكم{؟!

ويظهر لك بجلاء أيضاً تخبط القوم وتناقضهم، وفساد تقسيمهم للتوحيد إلى «توحيد ربوبية» و«توحيد ألوهية» من اختلافهم في تصنيف «الحاكمية»، التي لا يستطيعون لها إنكاراً، ولا منها فراراً، إلا بالكفر الصريح.

ف«هيئة كبار العلماء» في ما يسمَّى بـ«السعودية» تزعم أن «الحاكمية» فرع مما أسمته: «توحيد الألوهية»، إذ قالت نصاً: (والحكم بما أنزل الله يدخل في توحيد الألوهية)، في حين أن العضو المشهور البارز لنفس الهيئة «الشيخ» محمد الصالح العثيمين يقول نصاً: (فإن توحيد الحاكمية داخل في الربوبية).

ولعلنا لا نضيع الوقت في مناقشة هذا اللغو والهذر الصادر من أمثال «هيئة كبار العلماء» في ما يسمَّى بـ«السعودية»، ولا رجالاتها من أمثال: محمد الصالح بن عثيمين، فالوقت والعمر أثمن من هذا، فالعودة إلى موضوعنا الرئيس أولى وأحرى. فما هو «توحيد المحبة والولاء»، ضربت عنه «هيئة كبار العلماء» صفحاً، فلم تذكره مطلقاً، والذي هو موضوع بحثنا الرئيس يا ترى؟!

u فصل: حقيقة توحيد المحبة والولاء

«توحيد المحبة والولاء» هو إفراد الله بالمحبة والموالاة لاستحقاقه الذاتي لذلك، فتكون كل محبة ونصرة وموالاة ناشئة من ذلك متفرعة منه، وليست أصلا مستقلاً بنفسه.

واستحقاق الرب، تباركت أسماؤه، للمحبة في أقصى درجاتها، وأخلص أنواعها، ضرورة عقلية فطرية، جاء الشرع مؤكداً لها، ومنبهاً إليها. ذلك لأن الإنسان لا يحب شيئاً، أو شخصاً إلا بدافعين:

الأول: لاتصاف الشيء أو الشخص المحبوب بصفات جمال، وكمال يدركها العقل، أو يميل إليها الطبع.

والله، تباركت أسماؤه، وتقدست صفاته، هو الموصوف بالكمال والجمال التام المطلق، الفائق لحدود إدراك العقول، المتجاوز لآفاق الوهم والخيال. فأي شيء أولى من الله بأقصى درجات المحبة لهذا الاعتبار؟!

الثاني: لما يأتي من الشيء أو الشخص المحبوب من الإنعام، أو العطايا والمنح، أو جلب النفع ودفع الضر، أو المعونة في النوازل والشدائد، أو التلطف في المعاملة وحسن الصحبة والمعشر، أو الحماية من الأعداء والنصرة عليهم.

والله سبحانه وتعالى هو المنعم الأول على الإنسان ابتداء: بمنح الوجود بعد العدم؛ والحياة بعد الموت؛ وجعل السمع والبصر، وسائر الحواس، والتمييز، والعقل؛ ومنِّه بحرية الإرادة والاختيار، والقدرة على الفعل والإبداع والابتكار؛ ثم التكريم والتفضيل على أكثر الخليقة تفضيلاً؛ ونعمه الظاهرة والباطنة تترى وتتوالى آناء الليل، وأطراف النهار. فأي شيء أولى من الله بأقصى درجات المحبة لهذا الاعتبار؟! فمن أولى أن يعترف له بالفضل والجميل، ويتقدم إليه بالشكر؟!

فهو جل وعلا مستحق، لذاته وبذاته، لغاية الحب، حباً يفوق حب النفس، والولد، والوالد، والزوج، وجميع متاع الدنيا ولذاتها، والناس أجمعين.

ويترتب على ذلك، لا محالة، إن كانت المحبة صادقة، حب من يحب، وحب كل ما يقرب إليه ويزيد في محبته، كما يترتب عليها، بداهة، طاعة أمره، واتباع رسله؛ وبالضرورة بغض أعدائه، وبغض من يبغضه، وبغض كل ما يبعد عنه.

وفي مقدمة محبوبيه، بل هو رأسهم، سيدنا محمد بن عبدالله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي العربي، خاتم النبيين، وسيد المرسلين، وخليل رب العالمين، وإمام المتقين، الذي قال ناصحاً، مشفقاً: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده، ووالده، والناس أجمعين»! لذلك كان لا بد من محبته، وتوقيره، ونصرته، وطاعته، واتباعه. كما قيل في معنى شهادة «أن محمداً رسول الله»: (طاعته فيما أمر v وتصديقه في ما أخبر v واجتناب ما نهى عنه وزجر v وأن لا يعبد الله إلا بما شرع وقرر v وأن يُحَبّ أكثر من النفس والزوج والولد والوالد وسائر البشر v وأن يوقَّر ويعزَّر ويُنْصَر)

ثم يترتب على ذلك لا محالة:

(1) نصرته، أي نصرة الله: بنصرة دينه، وكتبه، ورسله؛ والدعوة إليهم، والصبر على الأذى فيهم، والجهاد والقتال في سبيلهم؛

(2) موالاة أوليائه وأحبائه: بمحبتهم وصدق الود لهم؛ واحترامهم وإكرامهم؛ وحسن عشرتهم وصحبتهم؛ وإخلاص الصداقة والمشورة والنصح لهم؛ والتعاون معهم على كل بر وتقوى؛ وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر؛ ونصرتهم بالمال والنفس والولد؛ والتجمع معهم في جماعة واحدة، أي الانتماء إلى تابعية واحدة معهم، أي العيش معهم في ظل كيان سياسي واحد!

وأخص خصائص «الموالاة»، وجوهرها: التحالف، والنصرة، والإعانة، والصداقة، أي الكينونة في معسكر واحد. وجبهة واحدة، وتحت راية واحدة: سلمهم واحدة وحربهم واحدة، وكذلك :الإنتماء، والتكتل، أي: الانتماء إلى تابعية واحدة، ومواطنة واحدة، تكون كتلة واحدة.

(3) معاداة أعدائه، والمعاداة هي الضد التام للموالاة، فهي ضدها من كل وجه: ببغضهم، وقطع حبال المودة معهم، وعدم مناصرتهم، والانعزال عنهم، والهجرة من ديارهم، ومقاتلتهم، كل ذلك من غير ظلم ولا عدوان. ولا يستثنى من ذلك إلا ما أذن به الرب، جل وعلا، من الإحسان إليهم، والبر، والصلة، والموادعة، والمهادنة، والمصالحة، وحقوق التابعية لأهل ذمة الله، وذمة رسوله، ولغيرهم من المسلمين والموادعين. أمَّا أعداء الله من الكفرة الحربيين فلهم كل البغض، وكل المقت، وكل العداء، وكل الإبعاد، وكل الخذلان، وكل القتال. وقد أشبعنا جزئيات ذلك وفقهه في الباب المسمَّى: (المولاة والمعاداة)، وسيأتي قريباً، فليراجع.

v قال تعالى: }مالهم من دونه من ولي، ولا يشرك في حكمه أحدًا{، (الكهف؛ 18:26).

v وقال: }أم اتخذوا من دونه أولياء؟! فالله هو الولى..{، (الشورى؛ 42:9).

v وقال الله تعالى: }ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله، والذين أمنوا أشد حبًا لله...{، (البقرة؛ 2:165).

v قال تعالى: }إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ..{، (المائدة؛ 5:55).

v وقال: }لاتتخذوا أباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان{، (التوبة؛ 9:23).

v وقال: }لاتجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله، ولوكانوا آباءهم، او أبناءهم، أو إخوانهم، أو عشيرتهم، أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ..{، (المجادلة؛ 58:22).

v وقال: }قل: إن كنتم تحبون الله، فاتبعوني يحببكم الله، ويغفر لكم ذنوبكم، والله غفور رحيم v قل أطيعوا الله والرسول، فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين{، (آل عمران؛ 3:31-32).

v وقال: }لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء، إلا أن تتقوا منهم تقاة ، ويحذركم الله نفسه، وإلى الله المصير{، (آل عمران؛ 3:2.

v وجعل، تباركت أسماؤه، اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين الصفة الرئيسية المميزة للمنافقين نفاقاً اعتقادياً مخرجاً من الملة، أهل الدرك الأسفل من النار، فقال: }بشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً v الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، أيبتغون عندهم العزة؟! فإن العزة لله جميعاً{، إلى قوله، جل من قائل: }يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين! أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبيناً؟! v إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، ولن تجد لهم نصيراً{، (النساء؛ 4:138-145).

v وقال، جل من قائل، مثنياً على إبراهيم وصحبه: }قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه، إذ قالوا لقومهم: إنا برءاء منكم، ومما تعبدون من دون الله، كفرنا بكم، وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوابالله وحده{، (الممتحنة؛ 60:4).

v وقال تعالى: }يا أيها الذين آمنوا: من يرتد منكم عن دينه، فسوف يأتي الله بقوم يحبهم، ويحبونه: أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله، ولا يخافون لومة لائم{، (المائدة؛ 5:54). ذكر، جل جلاله، وسما مقامه، لهؤلاء المحبين لله، المحبوبين من الله؛ وهذا هو المطلب المهم: أن يكون المرء محبوباً من الله، ذكر لهم أربع علامات:

الأول: الذلة على المؤمنين: وهي تمام الرحمة والشفقة والعطف والرقة والتواضع. قال الإمام التابعي عطاء المكي، رحمه الله: (كالولد مع والده، والعبد المملوك مع سيده).

الثاني: العزة على الكافرين: وهي هنا الترفع، والشدة، وتأكيد الهوية والشخصية، بل والغلظة في مواضعها، وليست هي البطر والغطرسة والعجب بالنفس؛ كما قال، تقدست أسماؤه، في موضع آخر مثنياً على أصحاب نبيه، صلى الله عليه وسلم: }أشداد على الكفار، رحماء بينهم{، وقال تعالى، آمراً نبيه، صلى الله عليه وسلم: }جاهد الكفار والمنافقين، واغلظ عليهم!{.

الثالث: الجهاد في سبيل الله بالنفس، والمال، وباليد، واللسان، فبذلك تتحقق دعوى المحبة.

الرابع: أنهم لا يخافون في الله لومة لائم: وهذه علامة صحة المحبة.

فمن زعم أنه يحب الله فليفحص نفسه ويختبرها: فإن كان متصفاً بتلك الصفات الأربع فليستبشر بمبادلة الله له حباً بحب، وإلا فلا يغرنَّ نفسه بالأماني الكاذبة، والدعاوى العريضة، وليشتغل في تقويم نفسه، وإصلاح شخصيته، حتى يصبح أهلاً لمحبة الله، التي هي غاية الغاية، ومنتهى النهاية!

لاحظ كذلك أن المحبة هنا ليست محبة سلبية قلبية محضة فحسب، محبة الرهبان «المزعومة» المنعزلة في الصوامع والأديرة، بل هي كذلك ولاء وبراء، موالاة ومعاداة، جهاد وكفاح، وأفعال وأنشطة ظاهرة!

v عن أنس أن رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده، ووالده، والناس أجمعين»، حديث صحيح، أخرجه البخاري، ومسلم، وأحمد، وغيرهم.

v وأخرج البخاري بإسناد صحيح عن عبدالله بن هشام، رضي الله عنه، قال: كنا مع النبي، صلى الله عليه وسلم، وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال له عمر: (يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي!)، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: «لا، والذي نفسي بيده: حتى أكون أحب إليك من نفسك!»، فقال له عمر: (فإنه الآن، والله، لأنت أحب إلي من نفسي)، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: «الآن يا عمر». ؤأخرج أحمد مثله بإسناد قوي.

v ولهما (أي: البخاري، ومسلم) عن أنس، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب اليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار»، حديث صحيح. وفي رواية صحيحة أخرى: «لا يجد أحد حلاوة الايمان حتى ...» إلى آخره. وقد أخرج مثله الترمذي وقال: حسن صحيح، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد، وابن حبان في صحيحه.

حلاوة الإيمان: ما يحصل في القلب من اللذة والبهجة والنعيم والسرور، الذي يجده أهل الإيمان، ويعرفونه، ويذوقونه، ولا تستطيع الكلمات حده ووصفه، بل لا بد من تجربته! ويترتب على ذلك التلذذ بالطاعات، والتمتع بتحمل المشاق وتجنب الشهوات في رضى المحبوب، جل وعز.

ولن يجد أحد حلاوة الإيمان كاملة إلا إذا أكمل المحبة، ودفع ضدها، وجرَّدها:

(1) فإكمال المحبة يكون: بأن يكون الله ورسوله أحب إلى العبد مما سواهما، فلا يكفي مجرد الحب، بل لا بد أن يكون الله ورسوله أحب من كل محبوب آخر. ومحبة الله تستلزم محبة طاعته، لأن الله يحب من عبده الطاعة، أي العبودية، والمحب بحق يحب ما يحب محبوبه، لا محالة، إن كانت محبته صادقة.

(2) ودفع ضدها: بأن يكره ضد لوازم المحبة والإيمان، أي أن يكره الكفر والفسوق والعصيان، فيكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار.

(3) وتجريدها: أن يحب المرء، لا يحبه إلا لله. وتجريد المحبة لا يتأتى إلا بعد إكمالها، ودفع ضدها، لذلك جاء الحديث التالي بها منفردة، لأن وجودها، يقتضي ضرورة، سبق كمالها، ودفع الضد لها:

v عن أبي هريرة مرفوعاً: «من سرَّه أن يجد طعم الإيمان فليحب المرء لا يحبه إلا لله»، حديث صحيح، أخرجه أحمد، والطيالسي، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، وإسناده حسن صحيح قوي على شرط مسلم، تقوم به الحجة على كل حال، يجب التدين به، وهو ثابت قطعاً، بل هو في غاية الصحة بشواهده.

v وعن أنس أن رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب للناس ما يحب لنفسه، وحتى يحب المرء لا يحبه إلا لله، عز وجل»، حديث صحيح، غاية في الصحة، أخرجه أحمد، وغيره.

v وعن أبي أمامة عن رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «من أحب في الله، وأبغض في الله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان»، أخرجه أبو داود بإسناد حسن قوي لذاته، والطبراني في «الأوسط»، والضياء المقدسي، والبيهقي في «شعب الإيمان»، وابن عساكر. والحديث صحيح قطعاً، يجب التدين به، بمجموع طرقه، ومتابعاته، وشواهده، ومنها:

v عن معاذ بن أنس الجهني، رضي الله عنه، أن رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: ««من أعطى لله، ومنع لله، وأحب لله، وأبغض لله، وأنكح لله، فقد استكمل إيمانه». هذا حديث صحيح، أخرجه الترمذي وأحمد بإسناد صحيح تقوم به الحجة، وكذلك أحمد بإسناد آخر فيه نظر. وقد روى ابن أبي شيبة في «الإيمان» مثله، شاهداً له، عن كعب بن مالك موقوفاً.

v أخرج أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن أبي الدنيا في «الإخوان» عن البراء بن عازب قال: كنت جالسا عند النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: «أتدرون أي عرى الإيمان أوثق؟!»، قلنا: (الصلاة)، قال: «إن الصلاة حسنة، وما هي بها!»، فذكروا شرائع الإسلام، فلما رآهم لا يصيبون قال: «أوثق عرى الإيمان أن تحب في الله، وتبغض في الله عز وجل»، كما أخرجه كذلك أحمد، وأبو داود الطيالسي، وهو حديث حسن، كما سنبرهنه في الملحق، إن شاء الله.

v وجاء في المعجم الكبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لأبي ذر: «أي عرى الإيمان (أظنه قال أوثق؟!»، قال: (الله ورسوله أعلم!)، قال: «الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله». وهذا كذلك حديث صحيح، كما هو مبين في الملحق.

v وجاء في «مسند الإمام أحمد بن حنبل» عن أبي ذر قال خرج إلينا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: «أتدرون أي الأعمال أحب إلى الله عز وجل؟!»، قال قائل: الصلاة، والزكاة، قال قائل: الجهاد؛ قال: «ان أحب الأعمال إلى الله عز وجل: الحب في الله والبغض في الله»، كما أخرجه أبو داود مختصراً.

v أخرج الطبراني في «المعجم الكبير» عن عبد الله بن مسعود قال: [قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «يا بن مسعود!»، قلت: (لبيك!)، ثلاثا؛ قال: «هل تدرون أي عرى الإيمان أوثق؟!»، قلت: (الله ورسوله أعلم!)، قال: «الولاية في الله، والحب في الله، والبغض في الله!»، قال: «يا بن مسعود!»، قلت: (لبيك يا رسول الله)، قال: «أي المؤمنين أفضل؟!»، قلت: (الله ورسوله أعلم!)، قال: «إذا عرفوا دينهم، أحسنهم عملا!»، ثم قال: «يا بن مسعود، هل تدري أي المؤمنين أعلم؟!»، قلت: (الله ورسوله أعلم!)، قال: «إذا اختلفوا (وشبك بين أصابعه) أبصرهم بالحق، وإن كان في عمله تقصير، وإن كان يزحف زحفا!»، ثم قال: «يا بن مسعود، هل علمت أن بني إسرائيل افترقوا على اثنتين وسبعين فرقة لم ينج منها إلا ثلاث فرق: فرقة أقامت في الملوك والجبابرة فدعت إلى دين عيسى فأخذت فقتلت بالمناشير، وحرقت بالنيران، فصبرت حتى لحقت بالله؛ ثم قامت طائفة أخرى لم تكن لهم قوة، ولم تطق القيام بالقسط، فلحقت بالجبال فتعبدت وترهبت وهم الذين ذكرهم الله فقال: }ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله إلى وكثير منهم فاسقون{، وفرقة منهم آمنت فهم الذين آمنوا وصدقوني وهم الذين رعوها حق رعايتها؛ وكثير منهم فاسقون: وهم الذين لم يؤمنوا بي ولم يصدقوني ولم يرعوها حق رعايتها وهم الذين فسقهم الله!». هذا حديث صحيح، كما هو مبين في الملحق.

v وأخرج الطبراني مرفوعاً، وكذلك أحمد، بإسانيدهم، عن عمرو بن الجموح، رضي الله عنه، عن النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بلفظ: «لا يحق للعبد حق صريح الإيمان حتى يحب لله تعالى، ويبغض لله تعالى، فإذا أحب لله، وأبغض لله فقد استحق الولاء من الله، ...إلخ».

v أخرج الإمام ابن جرير الطبري، والإمام محمد بن نصر المروزي بأسانيدهم من كلام ابن عباس: (من أحب في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك! ولن يجد عبد طعم الإيمان، وإن كثرت صلاته وصومه، حتى يكون كذلك! وقد صارت مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئاً)، وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم الجملة الأولى منه فقط.

v أخرج ابن أبي الدنيا في «الإخوان»: عن ابن عباس قال: [أحب في الله، وأبغض في الله، ووال في الله، وعاد في الله! فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولا يجد عبد طعم الإيمان، وإن كثرت صلاته وصيامه، حتى يكون كذلك]. هذا أثر حسن، كما هو مبرهن في الملحق.

لاحظ ان الأثر السابق من كلام ابن عباس، لله دره، ليس إلا اتباعاً للأحاديث قبله، وإعمالاً للفهم الصحيح لها، ولغيرها من نصوص الكتاب والسنة المتضافرة، حاشا لابن عباس أن يكون مبتدعاً، أو أن يقدم بين يدي الله ورسوله، فلم يكتف بذكر «الحب»، و«البغض»، بل أكد على «الموالاة»، و«المعاداة». فلا يكفي مجرد «الحب»، و«البغض» القلبيين المجردين، بل لا بد من «الموالاة» وهي الإنتماء، والنصرة، والتحالف، والإعانة، والكينونة مع المحبوبين ظاهراً، وباطناً، ولا بد من ضدها وهو «المعاداة»: الشاملة للمقت، والتحقير، والمفاصلة، والهجر، والمقاتلة بالسلاح، والبراءة من المبغوضين، والكفر بهم، ونبذهم، والبعد عنهم ظاهراً، وباطناً!

v أخرج ابن ماجه: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا وكيع وأبو معاوية وابن نمير، كلهم، عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده: لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا! أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟! أفشوا السلام بينكم»]، حديث صحيح، في غاية الصحة، ومثله في صحيح مسلم، ومسند إسحاق بن راهويه، وفي الأدب المفرد للبخاري، ومسند الإمام أحمد بن حنبل، وسنن أبي داود، وسنن البيهقي الكبرى، وفي صحيح ابن حبان.

v كما أخرج الطبراني عن أبي أمامة أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «لا إيمان لمن لا أمانة له! !والذي نفسي بيده: لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنون حتى تحابوا، ولا تحابون حتى يذهب الغل من صدوركم! ألا أخبركم بأمر إذا فعلتموه تحاببتم؟!»، قالوا: (بلى)، قال: «افشوا السلام!». هذا حديث صحيح، كما هو مفصل في الملحق.

v أخرج الطبراني في المعجم الكبير عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا! ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحابيتم؟! إفشاء السلام بينكم». هذا حديث إسناده حسن، كما هو مفصل في الملحق.

v وجاء في «المستدرك على الصحيحين للإمام الحاكم» عن أبي موسى الأشعري، رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «لن تؤمنوا حتى تحابوا! أفلا أدلكم على ما تحابوا عليه؟!»، قالوا: (بلى، يا رسول الله!)، قال: «افشوا السلام بينكم تحابوا! والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تراحموا!»، قالوا: (يا رسول الله كلنا رحيم؟!)، قال: «إنه ليس برحمة أحدكم، ولكن رحمة العامة، رحمة العامة!». وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي في التلخيص: صحيح، ولعله لا يصل إلى تلك المرتبة، ولكنه حسن، على كل حال، كما هو مبين في الملحق.

v أخرج الإمام أحمد بن حنبل عن الزبير بن العوام، رضي الله تعالى عنه، ان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «دب إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء؛ والبغضاء هي الحالقة: لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين! والذي نفسي بيده (أو: والذي نفس محمد بيده): لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا! أفلا أنبئكم بما يثبت ذلك لكم؟! أفشوا السلام بينكم!». فيه مولى آل الزبير مجهول، وبقيت رجاله ثقات أثبات. وأخرجه الترمذي، والطيالسي، وأبو يعلى، والبيهقي في الكبرى، وعبد بن حميد.

v جاء في سنن ابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «يا أبا هريرة! كن ورعا تكن أعبد الناس، وكن قنعا تكن أشكر الناس، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمنا، وأحسن جوار من جاورك تكن مسلما، وأقل الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب». قال الألباني: صحيح، وهو كما قال.

v وفي الصحيحين عن أنس مرفوعاً: «(والذي نفسي بيده)، لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه (أو قال: لجاره)، ما يحب لنفسه (من الخير)». هو من أصح أحاديث الدنيا، أخرجه أهل السنن كلهم: الترمذي وقال: حسن صحيح، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي، وأحمد، والطيالسي، وابن حبان، وأبو يعلى، والطبراني في «الصغير»، والشهاب القضاعي في مسنده، وغيرهم.

v وعن يزيد بن أسد بن كرز، رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «يا يزيد بن أسد! أتحب الجنة؟!»، قلت: (نعم)، قال: «فأحب لأخيك المسلم ما تحب لنفسك!»، حديث صحيح، أخرجه أحمد، وأبو يعلى، وابن حبان، والطبراني في «المعجم الكبير»، وعبد بن حميد في «المنتخب»، كما أخرجه الحاكم في «المستدرك»، وصححه، ووافقه الذهبي.

v وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري مرفوعاً: «المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضاً»، ثم شبك بين أصابعه الشريفة، كما أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح، والنسائي، وأحمد، والطيالسي، والحميدي، وعبد بن حميد في «المنتخب»، وابن حبان، وأبو يعلى، والبيهقي في «الكبرى»، والشهاب القضاعي، وغيرهم!

v وفي الصحيحين عن النعمان بن بشير مرفوعاً: «ترى المؤمنين في تراحمهم، وتوادهم، وتعاطفهم كمثل الجسد (الواحد): إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى». هذا من أصح أحاديث الدنيا، وأخرجه كذلك أحمد من طرق كثيرة، والبيهقي في «الكبرى»، وابن حبان، وأبو داود الطيالسي، والطبراني في «الصغير» وفي «مسند الشاميين»، والحميدي، والشهاب القضاعي، وابن الجعد.

‏@ummahasm2
عبدالله الأسمري

[Avatar]



مواضيعه: 1490
المكان: جزيرةالعرب المحتله
غير متصل

نشر عبر الفيس بوك


ــ ومن ألفاظ أحمد بإسناد صحيح: «المؤمنون كرجل واحد: إذا اشتكى رأسه اشتكى كله، وإن اشتكى عينه اشتكى كله»، ولعل هذا هو اللفظ الأصلي، أي أنه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، سمَّى أعضاءً منها الرأس، والعين، وغيرها فاختصره بعض الرواة، فقال: «إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى»، أو قاله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، مرة مبسوطاً، وأخرى مختصراً.

v وفي الصحيحين مرفوعاً: «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار».

v وفي الصحيحين مرفوعاً: «الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق؛ فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله».

v وعن أنس مرفوعاً: «ما تحابَّ رجلان في الله إلا كان أحبهما إلى الله، عز وجل، أشدهما حباً لصاحبه»، أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» بإسناد صحيح، وابن حبان، والحاكم في «المستدرك» وقال: (صحيح الإسناد)، ووافقه الذهبي والعراقي، وفي إسناد الحاكم نظر، ولكن إسناد البخاري صحيح بلا شك! وله متابعة قوية، أخرجها الخطيب البغدادي، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير مرفوعاً.

v وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن الله يقول يوم القيامة: أين المتحابين بجلالي؟! اليوم أظلهم في ظلي، يوم لا ظل إلا ظلي»، وهو كذلك في مسند أحمد، والموطأ.

v وعن أبي إدريس الخولاني قال: جلست مجلساً فيه عشرون من أصحاب محمد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإذا فيهم شاب حسن الوجه، حسن السن، أدعج العينين، أغر الثنايا، فإذا اختلفوا في شئ، أو قالوا قولاً انتهوا إلى قوله، فإذا هو معاذ بن جبل، رضي الله عنه، فلما كان من الغد جئت، فإذا هو يصلي عند سارية، فخفف صلاته ثم احتبى، فسكت، فقلت: إني لأحبك في جلال الله! فقال: آلله! فقلت: آلله! فقال: [فإن المتحابين في الله في ظل الله، (قال أبو إدريس: أحسب أنه قال يوم لا ظل إلا ظله، (ثم قال أبو إدريس: لا أشك في بقيته) يوضع لهم كراسي من نور، يغبطهم بمجلسهم من الرب تبارك وتعالى، النبيون، والصديقون، والشهداء]. قال أبو إدريس: فحدثت بها عبادة بن الصامت فقال: لا أحدثك إلا ما سمعت على لسان رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أنه قال: «حقت محبتي للمتحابين فيَّ، وحقت محبتي للمتباذلين فيَّ، وحقت محبتي للمتصادقين فيَّ، وحقت محبتي للمتزاورين فيَّ، وحقت محبتي للمتواصلين فيَّ»، وشك شعبة في «المتواصلين»، و«المتزاورين»، وقد ثبتت من طرق أخرى صحاح، فزال شك شعبة! هذا حديث صحيح، صححه الحاكم وقال: (على شرط الشيخين)، ووافقه الذهبي.وله طرق أخرى صحاح بطوله مع كامل القصة، أو مختصراً، ثبتت فيها اللفظتان التي شك فيها الإمام الحافظ الحجة، الثبت المتقن المأمون، أمير المؤمنين في الحديث، شعبة بن الحجاج بن الورد، رضي الله عنه.

v وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن من عباد الله لأناساً ما هم بأنبياء، ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله عز وجل»، قالوا: (يا رسول الله! تخبرنا من هم؟!)، قال: «هم قوم تحابوا بروح الله، على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها. فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم على نور: لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس»، ثم قرأ، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هذه الآية: }ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم، ولا هم يحزنون{.

v وعن زيد بن أسلم عن أبيه: أن عمر خرج إلى المسجد يوماً فوجد معاذ بن جبل عند قبر رسول الله يبكي، فقال ما يبكيك؟! قال: يبكيني حديث سمعته من رسول الله يقول: «اليسير من الرياء شرك! ومن عادى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة! إن الله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء الذين إن غابوا لم يفقدوا، وإن حضروا لم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى، يخرجون من كل غبراء مظلمة!». حديث صحيح، لا علة له. قاله الحاكم، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.

v وعن عبدالله بن مسعود، رضي الله عنه، قال: جاء رجل إلى إلى رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: (يا رسول الله! كيف تقول في رجل أحب قوماً ولم يلحق بهم؟) فقال رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «المرء مع من أحب!»، أخرجه الشيخان، وهذا الرجل السائل هو، على الأرجح، أبو ذر الغفاري، رضي الله عنه، كما يظهر من الحديث التالي:

v وعن أبي ذر، رضي الله عنه، قلت: (يا رسول الله! الرجل يحب القوم ولم يستطع أن يلحق بهم؟) فقال رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أنت، يا أبا ذر، مع من أحببت!». قلت: (إني أحب الله ورسوله!) قال: «أنت مع من أحببت، يا أبا ذر!». هذا حديث صحيح أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، وهو من مناقب أبي ذر الغفاري العظيمة، وما أكثرها!

v ولهما عن أنس أن رجلاً سأل النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (متى الساعة، يارسول الله؟) قال: «ما أعددت لها؟»، قال: (ما أعددت لها من كثير صلاة، ولا صوم، ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله)، قال: «أنت مع من أحببت!»، حديث صحيح، أخرج مثله الترمذي، والبخاري في الأدب المفرد.

فيا لها من بشارة عظيمة لمن أحب الله ورسوله، حباً صادقاً! من أمثال أبي ذر، رضي الله عنه، وطبقته. والحب الصادق هو الذي يصمد للمحك، ويجوز الامتحان الإلهي:

ــ أولاً: }قل: إن كنتم تحبون الله، فاتبعوني يحببكم الله،...{،

ــ وثانياً: }لاتجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله، ولوكانوا آباءهم، او أبناءهم، أو إخوانهم، أو عشيرتهم، أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ...{،

ــ وثالثاً: }يا أيها الذين آمنوا: من يرتد منكم عن دينه، فسوف يأتي الله بقوم يحبهم، ويحبونه: أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله، ولا يخافون لومة لائم{!

v والموالاة لا تنقطع بما يقد يقع بين المؤمنين من تظالم وقتال وشر، بموجب ضعف الطبيعة البشرية، وغلبة الشهوات والوساوس الشيطانية، قال تعالى: }وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا! إن الله يحب المقسطين v إنما المؤمنون إخوة، فأصلحوا بين أخويكم! واتقوا الله لعلكم ترحمون{، (الحجرات؛ 49:9). يقول الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية شارحاً: (على المؤمن أن يعادي في الله، ويوالي في الله. فإن كان هناك مؤمن فعليه أن يواليه ــ وإن ظلمه ــ فإن الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانية، قال تعالى: }وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، ...{، فجعلهم إخوة مع وجود القتال والبغي، وأمر بالإصلاح بينهم. فليتدبر المؤمن: أن المؤمن تجب موالاته، وإن ظلمك واعتدى عليك؛ والكافر تجب معاداته، وإن أعطاك وأحسن إليك. فإن الله سبحانه بعث الرسل، وأنزل الكتب، ليكون الدين كله لله، فيكون الحب لأوليائه، والبغض لأعدائه، والإكرام والثواب لأوليائه، والإهانة والعقاب لأعدائه)، (مجموع الفتاوى: ج28/20.

هل سمعتم وتدبرتم يا أعداء الله، فقهاء السلاطين، يا إخوان الحمير، حملة الآسفار، يا إخوان الكلاب الغاوية، مثل كلب الأعراف، الذين أفتيتم باستقدام القوات الأجنبية الكافرة، والقتال تحت رايتها لدفع «ظلم» العراق المزعوم للكويت، بدعوى الضرورة المزيفة الكاذبة، بل وسميتم جريمتكم النكراء جهاداً؟!

لقد أبى الله إلا فضيحتكم، وفضيحة ساداتكم وكبرائكم من الحكام، فانتهى الأمر باستعمار بلادكم، ووقوعكم تحت هيمنة الكفار: يقتلون المسلمين ويحاصرونهم، وينهبون خيرات بلادكم ويحتلونها، ويمكنون صهاينة اليهود المعتدين من رقابكم، ويؤبِّدون اغتصابهم لفلسطين، وتسلطهم على بيت الله المقدس، وينشرون الربا، والزنا، واللواط، وسائر الفواحش والفتن في بلادكم! وأنتم ساكتون، سكوت الشياطين الخرس، فبعداً لكم، وتعساً لكم، وأضل أعمالكم!

v وفي صحيح البخاري مرفوعاً: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً»، قيل: (أنصره مظلوماً، فكيف أنصره ظالماً؟!)، قال: «تمنعه عن الظلم، فذلك نصرك إياه!»، أو كما قال، بأبي هو وأمي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

v وفي الصحيحين مرفوعاً: «المسلم أخو المسلم: لا يظلمه، ولا يسلمه! من كان في حاجة أخيه، كان الله، عز وجل، في حاجته! ومن فرج عن مسلم كربة، فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة! ومن ستر مسلماً، ستره الله يوم القيامة!».

v كما أخرج البخاري في «الأدب المفرد»، وأبو داود، بإسناد حسن، مرفوعاً: «المؤمن مرآة أخيه. والمؤمن أخو المؤمن: يكف عليه ضيعته، ويحوطه من ورائه».

v وقال أحمد: [حدثنا إسماعيل أخبرنا بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: أتيت النبي، صلى الله عليه وسلم، حين أتيته، فقلت: (والله ما أتيتك حتى حلفت أكثر من عدد أولاء، أن لا آتيك، ولا آتي دينك، (وجمع بهز بين كفيه)، وقد جئت امرأ لا أعقل شيئا إلا ما علمني الله تبارك وتعالى ورسوله، وإني أسألك بوجه الله، بم بعثك الله إلينا؟!)، قال: «بالإسلام»، قلت: (وما آيات الإسلام؟!)، قال أن تقول: «أسلمت وجهي لله، وتخليت، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، كل مسلم على مسلم محرم: أخوان نصيران! لا يقبل الله من مشرك أشرك بعد ما أسلم عملاً! وتفارق المشركين إلى المسلمين! ما لي أمسك بحجزكم عن النار؟! ألا إن ربي عز وجل داعيَّ وإنه سائلي: هل بلغت عباده؟! وإني قائل: رب إني قد بلغتهم! فليبلغ الشاهد منكم الغائب! ثم إنكم مدعوون، مفدمة أفواهكم بالفدام، ثم إن أول ما يبين عن أحدكم لفخذه وكفه!»، قلت: (يا نبي الله، هذا ديننا؟!)، قال: «هذا دينكم، وأينما تحسن يكفك»]، وهذا إسناد حسن جيد، إن شاء الله تعالى.

v وفي «السيرة النبوية» بتهذيب ابن هشام (ج: 3 ص: 30): [قال ابن إسحاق: ثم خطب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الناس مرة أخرى فقال: «إن الحمد لله أحمده وأستعينه نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إن أحسن الحديث كتاب الله، تبارك وتعالى، قد أفلح من زينه الله في قلبه، وأدخله في الإسلام بعد الكفر، واختاره على ما سواه من أحاديث الناس: إنه أحسن الحديث وأبلغه.أحبوا ما أحب الله، أحبوا الله من كل قلوبكم، ولا تملوا كلام الله وذكره، ولا تقس عنه قلوبكم، فإنه من كل ما يخلق الله يختار ويصطفي وقد سماه الله خيرته من الأعمال ومصطفاه من العباد والصالح من الحديث ومن كل ما اوتي الناس الحلال والحرام فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا واتقوه حق تقاته وأصدقوا الله صالح ما تقولون بأفواهكم، وتحابوا بروح الله بينكم، إن الله يغضب أن ينكس عهده، والسلام عليكم»]

v وفي «مجموع الفتاوى»، (ج: 5 ص: 510 وما بعدها): [قال تعالى: }واذا سألك عبادى عنى فانى قريب أجيب دعوة الداع اذا دعان{، وقال: (من تقرب الى شبرا تقربت اليه ذراعا)، وهذه الزيادة تكون على الوجه المتفق عليه بزيادة تقريبه للعبد اليه جزاء على تقربه باختياره فكلما تقرب العبد باختياره قد شبر زاده الرب قربا اليه حتى يكون كالمتقرب بذراع. فكذلك قرب الرب من قلب العابد وهوما يحصل فى قلب العبد من معرفة الرب والايمان به وهوالمثل الأعلى، وهذا أيضا لا نزاع فيه. وذلك ان العبد يصير محيا لما أحب الرب، مبغضا لما ابغض، مواليا لمن يوالى، معاديا لمن يعادى، فيتحد مراده مع المراد المأمور به الذى يحبه الله ويرضاه. وهذا مما يدخل فى موالاة العبد لربه وموالاة الرب لعبده فان الولاية ضد العداوة والولاية تتضمن المحبة والموافقة والعداوة تتضمن البغض والمخالفة. وقد ثبت فى صحيح البخارى عن ابى هريرة رضى الله عنه عن النبى أنه قال: «يقول الله تعالى: (من عادى لى وليا فقد بارزنى بالمحاربة. وما تقرب الى عبدى بمثل أداء ما افترضته عليه، ولا يزال عبدى يتقرب الى بالنوافل حتى أحبه: فاذا احببته كنت سمعه الذى يسمع به، وبصره الذى يبصر به، ويده التى يبطش بها، ورجله التى يمشى بها: فبى يسمع، وبى يبصر، وبى يبطش، وبى يمشى. ولئن سألنى لأعطينه. ولئن استعاذنى لأعيذنه. وما ترددت فى شىء أنا فاعله ترددى عن قبض نفس عبدى المؤمن: يكره الموت وأكره مساءته، ولابد له منه)». فأخبر سبحانه وتعالى أنه يقرب العبد بالفرائض، ولا يزال يتقرب بالنوافل حتى يحبه الله فيصير العبد محبوبا لله كما قال تعالى: }قل ان كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله{، وقال تعالى: }فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه{، وقال تعالى: }وأحسنوا ان الله يحب المحسنين{، وقال تعالى: }وأتموا اليهم عهدهم الى مدتهم ان الله يحب المتقين{، وقال: }فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ان الله يحب المتقين{، وقال تعالى: }ان الله يحب التوابين ويحب المتطهرين{، وقال تعالى: }إن الله يحب الذين يقاتلون فى سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص{، وقال تعالى: }فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين{، وقال تعالى: }وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين{.]

v وقال في «مجموع الفتاوى»، (ج: 11 ص: 160 وما بعدها) بعد أن ساق الحديث القدسي الشهير: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، ... الحديث»: [وهذا أصح حديث يروي في الأولياء، فبين النبي أنه من عادى وليا لله فقد بارز الله بالمحاربة. وفي حديث آخر: }وإني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث الحَرِب{، أي آخذ ثأرهم ممن عادهم كما يأخذ الليث الحَرِب ثأره وهذا لأن أولياء الله هم الذين: أمنوا به، ووالوه، فأحبوا ما يحب، وأبغضوا ما يبغض، ورضوا بما يرضى، وسخطوا بما يسخط، وأمروا بما أمر، ونهو عما نهى، وأعطوا لمن يحب أن يعطى، ومنعوا من يحب أن يمنع. كما في الترمذي وغيره عن النبي أنه قال: «أوثق عرى الإيمان: الحب في الله، والبغض في الله». وفي حديث آخر رواه أبوداود قال: «ومن أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان». والولاية ضد العداوة، وأصل الولاية المحبة والقرب، وأصل العداوة البغض والبعد وقد قيل أن الولى سمى وليا من موالاته للطاعات اى متابعته لها والأول اصح. والولى القريب، فيقال: هذا يلى هذا أى يقرب منه. ومنه قوله، صلى الله عليه وسلم: «ألحقوا الفرائض بأهلها فما ابقت الفرائض فلأولى رجل ذكر»، أى لأقرب رجل إلى الميت واكده بلفظ الذكر، ليبين انه حكم يختص بالذكور، ولا يشترك فيها الذكور والاناث. كما قال فى الزكاةك «فابن لبون ذكر». فاذا كان ولى الله هوالموافق المتابع له فيما يحبه ويرضاه ويبغضه ويسخطه ويأمر به وينهى عنه كان المعادى لوليه معاديا له كما قال تعالى: }لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة{، فمن عادى اولياء الله فقد عاداه ومن عاداه فقد حاربه فلهذا قال: (ومن عادى لي وليا فقد بارزنى بالمحاربة).

وأفضل اولياء الله هم أنبياؤه وأفضل أنبيائه هم المرسلون منهم وأفضل المرسلين اولوالعزم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وعليهم وسلم. قال تعالى: }شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذى أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ان اقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه{]

المُوَالاة: مصدر من (وَالَى)، على وزن فَاعل، يوالي، موالاة. والولاء هو الدنو والقرب. والموالاة، لكونها على وزن مُفَاعَلَة، تتضمن معاني المبادلة والمقابلة: هذا يتخذا ذاك ولياً. وذاك يبادله الفعل فيتخذه ولياً. فـ«الموالاة» هي «اتِّخَاذ الوَلِيّ».

والأصل الثلاثي لـ«الموالاة» هو: (و ل ي)، والمصدر هو: «الوَلْي»، بسكون اللام، ويعني القرب والدنو. و«الوَلِي» هو القريب، حسياً أو معنوياً، في قرابة النسب مثلاً، و«الأولى» الأقرب، حسياً أو معنوياً، كما هو في حديث المواريث: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر»، أو كما قال، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، أي لأقرب الذكور إلى الميت، نسباً أو بولاء عتق أو نحوه.

‏@ummahasm2
عبدالله الأسمري

[Avatar]



مواضيعه: 1490
المكان: جزيرةالعرب المحتله
غير متصل

نشر عبر الفيس بوك


إلا أن العرب كانت تستخدم، عادة، لفظة «قريب»، أو «ذو قربى»، لقرابة النسب، وقلَّ أن تستخدم لفظة «ولِي» في ذلك، ثم كادت أن تقصر لفظة «ولِي» علي قرابة «الحلف». وكان الحلف يعقد للحماية المتبادلة والنصرة، فيصبح الحليف قريباً ممن حالفه قرابة كقرابة النسب، بكل ما لتلك القرابة في المجتمع القبلي من ميزات تشمل عادة التوارث، والنصرة بدون قيد أو شرط، ظالماً أو مظلوماً، على طريقة أهل الجاهلية، بل وحمل اسم القبيلة: فهذا زهري نسباً، وذاك زهري ولاءً. فالموالاة في جوهرها إذا «انتماء»، و«تابعية»، وقرابة كقرابة النسب.

هذه «الموالاة» أو هذا «الحلف» له جانب «دستوري» مهم قد لا يلاحظه كثير من الناس، وهو أنه يتضمن كل المعاني التي تشملها مفاهيم: «حمل التابعية» أو «المواطنة» في العصر الحديث. وذلك لأن القبائل العربية كانت بمثابة دول: كل قبيلة بمثابة دولة.

وما قد يظهر أن «الحلف» أو «الموالاة» تتضمن أمواً إضافية كالتوارث في أحوال مخصوصة، فهو من ثم أقوى من «حمل التابعية» أو «المواطنة» في العصر الحديث، هو في الحقيقة مظهر لكون الدولة في الأصل قبيلة تقوم على النسب، وليست كالدولة الحديثة التي لا تقوم على قبيلة واحدة أو شعب من عنصر واحد محض، فما ثمة زيادة حقيقية، وإنما كان ذلك نتيجة حتمية لطبيعة تلك الدول بوصفها دولة تتكون من قبيلة واحدة فقط، وتقوم أصلاً على قرابة النسب، ثم وسَّعت تابعياتها فأدخلت فيها الحلفاء والموالي.

فـ«الحلف» أو «الموالاة» إذا تتضمن معاني «حمل التابعية» أو «المواطنة» في دول العصر الحديث، بل لعلها هي بعينها.

هذا العرف المطرد المستقر، جعل معانى النصرة والحلف والانتماء والإعانة والمعونة والتأييد جزءً جوهريا لبعض ما تدل عليه لفظة «ولِي»، حتى كأنه نقل إليها، وكاد المعنى الأصلي، وهو «القرب» و«الدنو»، أن يتراجع إلى الوراء وينسى، فأصبحت «الموالاة» مرادفة لـ«المحالفة» و«المناصرة»، أو كادت. وعلى هذا نزل القرآن فأقر الاصطلاح العرفي في جوهره، وأضاف اليه معاني وقيود شرعية، كما هو بما لا مزيد عليه في الباب المسمَّى: (الموالاة والمعاداة)، من كتابنا هذا، والحمد لله رب العالمين.

و«المَوْلَى»، على وزن مَفْعَل، تستخدم مرادفاً ترادفاً تامَّآ للفظة: «الوَلِي»، بل لعلها الأكثر انتشاراً لسهولتها على اللسان في مقابل ثقل الياء المشددة في لفظة «الوَلِي»، فتجد الناس تقول عن الرجل: (مولى آل فلان)، ولا تكاد تسمع: (ولَِي آل فلان)!

ومن أسماء الله الحسنى: «الولِي» بمعنى «الناصر» في المقام الأول، ولكنها تتضمن معنى «القريب» أيضاً، وكلاهما، أي «الناصر»، «القريب» من الأسماء الإلاهية الحسنى أيضاً.

و(التَوَلِّي)، على وزن تَفَعُّل، وهو من صيغ المبالغة، وهي صيغة مبالغة للفعل الثلاثي: «وَلِيَ»، بمعني (اقترب من) أو (دنا من)، وتعني الاستغراق في «التقرب»، والمبالغة فيه. أي بلفظ آخر: اتخاذ «الولي»، فقولك: (تولَّى زيد عمراً) يعني بالضبط: (اتخذ زيد عمراً ولياً)، وهذا هو استخدام القرآن، من غير زيادة ولا نقصان. وإذا تولى عمرو زيداً أيضاً، كما هو في الأحوالب العادية، صار بين الإثنين «موالاة»، أي حلف وانتماء وتناصر. فـ(الموالاة) إذاً هي تبادل (التَوَلِّي): زيد يتولَّى عمراً، أي يتخذه ولياً، وعمرو يتولَّى زيداً.

فليس (التَوَلِّي)، على وزن تَفَعُّل، مبالغة من (والى)، فلا تعني إذاً: (الاستغراق في «الموالاة»، والمبالغة فيها) أو (الاستغراق والإنقطاع التام في نصرة الولي، ومحالفته، وإعانته، ودعمه، وتأييده»، وتقريبه) أو هي: (الموالاة المطلقة العامة)، فليس «التولي» هو أعلى مراتب «الموالاة»، كما زعم، ويزعم، رجالات الدعوة الوهابية، ففرقوا تبعاً لذلك بين (الموالاة) المحرمة، وبين (التَوَلِّي) المكفِّر المخرج من الملة.

و«المعاداة» هي الضد التام لـ«الموالاة»: والولاء ضد العداء. والولاية ضد العداوة. والوَلِيّ ضد العدو. والموالاة تدور حول معاني: الحلف، والنصرة، والمتابعة، والدعم، والتأييد، والقرابة، و«المعاداة» هي ضدها التام، وليس مجرد عدم وجودها، فمن وقف على «الحياد»، أي المحايد، ليس ولياً، ولا هو عدواً، أي لا يرد في حقه المعاملة كالعدو ولا المعاملة كالولي. فالعلاقة بين الموالاة والمعاداة هي علاقة تضاد تام، والضدان محال أن يجتمعا، ولكنهما قبد يرتفعا، وذلك في حالة «الحياد»، لا موالاة ولا معاداة. وليس العلاقة بينهما علاقة تناقض لأن النقيضين لا يجتمعان أبداً، ولا يرتفعان مطلقاً.

يقول الإمام أبو محمد علي بن حزم، رضي الله عنه، في «المحلَّى» على وجه التلخيص، بعد نقاش طويل، واستعراض لكافة الأدلة: [من لحق بدار الكفر والحرب مختاراً محارباً لمن يليه من المسلمين: فهو بهذا الفعل مرتد، له أحكام المرتد كلها: من وجوب القتل عليه متى قدر عليه، ومن إباحة ماله، وانفساخ نكاحه، وغير ذلك.

وأما من فر إلى أرض الحرب لظلم خافه، ولم يحارب المسلمين، ولا أعان عليهم، ولم يجد من المسلمين من يجيره، فهذا لا شيء عليه، لأنه مضطر مكره.

أما من كان محارباً للمسلمين، معيناً للكفار بخدمة أو كتابة فهو كافر.

وإن كان إنما يقيم هنالك لدنيا يصيبها، وهو كالذمي لهم، وهو قادر على اللحاق بجمهرة المسلمين وأرضهم، فما يبعد عن الكفر، وما نرى له عذراً، ونسأل الله العافية.) ثم يقول: (ولو أن كافراً مجاهداً [يعني: مقاتلاً] غلب على دار من دور الإسلام، وأقر المسلمين بها على حالهم، إلا أنه هو المالك لها، المنفرد بنفسه في ضبطها، وهو معلن بغير دين الإسلام: لكفر معه كل من عاونه، وأقام معه، وإن ادعى أنه مسلم ــ لما ذكرنا]، انتهى، فراجعه هناك فإنه قيم جداً!

إلا أننا نسارع بالتنبه على أن قول الإمام أبي محمد علي بن حزم، رضي الله عنه: (من وجوب القتل عليه متى قدر عليه) غير صحيح، بل الصحيح هو: (من جواز قتله متى قدر عليه، ولم يكن قد تاب قبل أن يقدر عليه) كما هو حال جميع أهل المحاربة بموجب آية (المحاربة) من سورة المائدة، وببيان النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، ذلك بفعله في قصة عبد الله بن سعد بن أبي سرح.

أما من اعتبر المسامحة، والمسالمة، والموادعة، والمعاشرة الجميلة في الدنيا، وحسن المعشر، والصحبة بالمعروف، والمعاملة بالحسنى، وتبادل المصالح والمنافع، وكل ذلك حسن جميل، من عد ذلك قسما مباحاً من الموالاة فقد زلت به القدم زللاً شنيعاً، وأخطأ خطأً فادحاً قبيحاً، وتجاوز النص الشرعي، وعرف العرب اللغوي، نعوذ بالله من «زلات العلماء، وجدل المنافقين بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين»!

وأي شيء في ذلك يدل من قريب أو بعيد على التحالف مع الكفار الحربيين، أو نصرة الكفار الحربيين، أو القتال تحت راية الكفار ضد المسلمين؟! إن تسمية ذلك موالاة يفتح باب الموالاة المحرمة حرمة مغلظة لأنها في الحقيقة ردة وكفر. وهو كذب في نفس الأمر، وتحريف للكلم عن مواضعه. وقد سمى الله ورسوله ذلك: قسطاً، وبراً، وإحساناً، وصلة، ولم يسمه أبداً: تولي، أو موالاة، ومن أحسن من الله حديثاً، ومن أصدق من الله قيلاً؟!

ولكن هذا مبحث خطبر كبير، يحتاج إلى نقاش مستفيض، وتحليل عميق، كما هو مفصل في الباب المسمَّى بـ «الموالاة والمعاداة»، فليراجع هناك.

ولهذا نؤكد ونكرر: أن التحريم القاطع لموالاة الكفار، إلا في حالة (التقاة)، وأحوال أخري قليلة منصوص عليها، كما هو مفصل في الالباب الموسوم بـ «الموالاة والمعاداة»، من كتابنا هذا، وقصر الموالاة على المؤمنين حصراً لا يتناقض مع التسامح، والتعامل بالحسنى، والبر، إلى غير المحاربين من الكفار.

أما المحاربون من الكفار، الذين هم أعداء الله وأعداء رسله، الظالمون المعتدون، كالعدو الصهيوني المغتصب في فلسطين، والعدو البراهماني الوثني المغتصب لكشمير، والعدو الروسي الصليبي المغتصب في القوقاز، والولايات المتحدة الأمريكية المعتدية على العراق وأفغانستان وغيرها، وغيرهم من الحربيين، فلهم كل المقت، والبغضاء، والعداوة، والسيف، لا غير، حتى تضع الحرب أوزارها!

والمعاملة بالعدل والقسط، واجتناب الغش والخيانة واجب محتوم على كل حال، وذلك في كل المعاملات المشروعة من: بيع وشراء، وتعليم وتعلم وتدريب، وإجارة، وشراكة، وتبادل للمنافع، والبضائع، والخدمات والمنافع، وغيرها.

أما الإحسان، والبر، والصلة فواجب للوالدين، ولذوي القربى، ومستحب لغيرهم، وذلك يشمل الصدقة، والهدية، والزيارة، وعيادة المرضى، والتهنئة في المناسبات الخاصة: كالأعراس، واجتياز الاختبارات، والولد، والعودة من السفر، والقيام من المرض، والسلامة من المكاره، ونحوه. وكذلك الإبتداء بالتحية، إلا لطائفة مخصوصة من المعتدين في ألفاظ السلام، المحرفين للكلم عن مواضعه، كيهود المدينة على زمن النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكذلك تجوز التعزية بصيغ والفاظ مناسبة لا يظهر منها الإقرار لكفرهم، ولعقائدهم الفاسدة، وربما كان فيها موعظة لطيفة مناسبة للمقام، وهذا كله مفصل في الباب المسمَّى: «الموالاة والمعاداة».

u فصل: حقوق المحبة والموالاة للمؤمنين

المحبة والموالاة الحقة للمؤمنين، على المستوى الفردي المحض، لها مظاهر وحقوق بعضها أعلى من بعض، محلها المعتاد كتب الأدب والفضائل، ولكن جهل الناس اليوم بها، وإعراضهم عنها، مع أهميتها لسلامة إيمان كل مسلم، يلزمنا بعرضها ها هنا على وجه الاختصار، فمنها:

(1) المواساة وحسن الصحبة: فينزل المسلم أخاه المسلم منزلة الصاحب لديه، فيقوم بحاجته من فضل ماله، إذا احتاج، ولا ينتظر سؤاله. فإن ألجأه إلى السؤال فهو دليل على تقصيره في حق أخيه. وإذا انحط المسلم عن هذه المرتبة فهو مقصر مذنب، يحتاج إلي فحص نفسه، وتهذيبها، والتوبة إلى الله!

روي أن رجلا جاء إلى أبي هريرة فقال: إني أريد أن أواخيك في الله! فقال: أتدري ما حق الإخاء في الله؟! قال له: عرفني! قال: أن لا تكون أحق بدينارك ودرهمك مني! فقال الرجل: لم أبلغ هذه المنزلة بعد! فقال أبو هريرة: فدعك عني. وليس هذا من بنات أفكار أبي هريرة، فقد روى ابن ماجه مثل هذا المعنى عن عبد الله بن عمر بن الخطاب حين قال: (لقد رأيتنا على عهد رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وما منا أحد يرى أنه أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم)!

أما الإنزال في منزلة النفس، بحيث تسمح نفسه بمشاركتهم في ماله ومنزله! فهذه مرتبة مستحبة، وهي أعلى من سابقتها.

ثم قد يرتفع بعض المؤمنين الصادقين إلى مرتبة الإيثار، فيقدم إخوانه على نفسه، فيلحق بأولئك الأفذاذ الذين خلدهم الله في القرآن العظيم حين قال: }يؤثرون على أنفسهم، ولو كان بهم خصاصة{، فيصبح من المفلحين، الذين يغبطهم الشهداء والنبيون! ومن هذا النوع من الإيثار، الذي يعجز الزمان أن يأتي بمثله، ما حصل بين المهاجرين والأنصار عندما آخى رسول الله بينهم بعد الهجرة:

v روى البخاري في صحيحه: [أن رسول الله آخى بين عبد الرحمن بن عوف المهاجري، وسعد بن الربيع الأنصاري، فقال سعد بن الربيع: (إنني أكثر الأنصار مالاً، فأقسم مالي نصفين! ولي امرأتان، فانظر إلى أعجبهما إليك، فسمها لي، فأطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها!!)، قال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك، ومالك! أين سوقكم؟! فدلوه على سوق اليهود، فزاحمهم وبزهم في ميدانهم، فما لبث غير قليل حتى كسب مالاً، وتأهل من ماله، ولم يرزأ سعداً بشيء!]. لقد كان عبد الرحمن بن عوف عفيفاً، ولكن تعجز النساء أن يلدن مثل سعد بن الربيع!

هذه مرتبة مستحبة، وليست هي بواجبة أو فريضة محتومة كما كانت في دين السيد الوجيه المقرب: سيدنا عيسى بن مريم، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى والدته، مسيح الله وروحه، إذ قد روي أن أتباعه كانوا يخرجون من كامل أموالهم ويضعونها في صندوق مشترك تصرف منه أمراؤهم على كافة أفراد الجماعة، فلله درهم!

(2) قضاء الحاجات، والسعي بالشفاعة الحسنة، على قدر الاستطاعة والقدرة، مع البشاشة والفرح، وإظهار السرور والبشر. وكان بعض السلف الصالح يتفقد عيال أخيه في الله بعد موته عشرات السنين، فيقضي مصالحهم، ويلبي مطالبهم، ويتودد إليهم، ويتابع شؤونهم، كأنهم أولاده، وكأنهم لم يفقدوا من الوالد إلا ذاته!

(3) ستر العيوب والامتناع عن: الغيبة، والغمز، واللمز والهمز: فالتشهير وكثرة النقد والغمز واللمز والهمز، والتنابز بالألقاب مما ينافي الأخوة الإيمانية الصادقة، والولاية الدينية الحقة! وإن كان لابد من نصح، أو مشورة، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر فبتلطف، وسرية! وشر من ذلك، وأوغل في الضلالة، وأبعد عن الأخوة الإيمانية، والولاية الدينية: التجسس والسعي بالنميمة: الناشرة للريبة، والمفسدة لذات البين!

(4) اجتناب الظن السيء، «فإن الظن أكذب الحديث»، وحمل أفعال الإخوة وأقوالهم على أحسن المحامل، ما أمكن. والتشدد في ذلك، إلا بدليل يقيني، وبينة موثقة قاطعة. وعلى العكس من ذلك تماماً: إساءة الظن بالكافرين، وعدم الانخداع بمعسول كلامهم، وجعل ذلك، أي سوء الظن وعدم الثقة، الأساس في التعامل معهم!

(5) ذكر المحاسن وإشاعتها، بما يحبب إلى النفوس، وىؤلف القلوب، ويقوي أواصر الأخوة، ويصلح ذات البين! وعلى العكس من ذلك: ذكر قبائح الكفار، وابتدائهم المسلمين بالعدوان والقتال، وسعيهم لاحتلال بلاد المسلمين، ونهب خيراتهم، واجتهادهم في إخراج المسلمين من دينهم، واعتدائهم على حرمات السلمين وأعراضهم، بحيث تتضح صورة العدو الحربي في بصيرة المسلمين، ويتبلور ذوقهم على معاداتهم، وبغضهم!

(6) البشاشة في الوجه، والمبادرة بالتسليم، لأن إفشاء السلام يورث المحبة، ومقابلة الإخوان بوجه طلق من أفضل المعروف!

(7) الإهداء من غير تكلف، وقبول الهدية مهما كانت، وقبول الدعوى، والتهنئة في المناسبات: في الأعياد، والأعراس، والقدوم من السفر، والقيام من مرض وغيره. وكذلك المشاطرة والمواساة في الأتراح، والتعزية في الموتى، وتشييع الجنائز!

( المدافعة عن عرض الإخوان بظهر الغيب، وإسكات من يغتابهم، أو يعتدي عليهم بقذف أو بهتان، فإن لم يستطع الإسكات، فليقم، وليترك مجالسهم حتى يخوضوا في حديث غيره.

(9) الامتناع عن سب المسلم، أو ذمه، لا سيما إذا كان هذا دفاعاً عن منافق، أو كافر. دليل ذلك ما رواه الإمام مسلم في صحيحه أن أبا سفيان مر على سلمان وصهيب وبلال في نفر من الصحابة، فقالوا: (ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها!) فأنكر عليهم أبو بكر قائلاً: (أتقولون هذا لشيخ قريش، وسيدهم؟!). ثم أتى رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأخبره، فقال: «يا أبا بكر! لعلك أغضبتهم؟! لئن كنت أغضبتهم، لقد أغضبت ربك!». فأتاهم أبو بكر فقال: (يا إخوتاه! أغضبتكم؟!) قالوا: (لا، يغفر الله لك، يا أخي!). وذلك لأنهم إنما قالوا ما قالوه تولياً لله ورسوله، ومعاداة لأعدائه.

فكيف يكون حال وسائل الإعلام، التابعة للأنظمة المتسلطة على رقاب المسلمين هذه الأيام، التي تمدح الكفار والمرتدين والمنافقين، والفسقة، والزناة، واللوطيين، والمأبونين، والقوّادين، ليل نهار، وتسخر من المؤمنين وتسبهم وتصفهم بأقذع النعوت من: التطرف، والإرهاب، والجمود، والتخلف، والظلامية؟! أليس هؤلاء قد عظموا بذلك الكافرين، وعادوا المؤمنين، وأغضبوا رب العالمين؟!

(10) إقالة العثرات، والعفو عن الهفوات. ذلك أن الهفوة والزلة قد تكون:

(أ) تقصيراً في حقك، فالأولى والأفضل والأعلى درجة: المغفرة والصفح، وترك المعاملة بالمثل، وإحسان الظن، والتماس العذر. وإن كان لا بد من القصاص، فالعدل، العدل!

(ب) خللاً في دينه بمعصية الله، بفعل محرم، أو ترك واجب. فإن كان قد ندم عليها، وتاب، وأقلع فالواجب الصفح والعفو.

ولكن ما العمل إذا كان مقيماً على الذنب متلبساً به؟! لقد اختلف الصحابة، والتابعون من بعدهم في معاملة أهل المعاصي والبدع، فمنهم من رأى المقاطعة والهجر، بل والمعاداة، ومنهم من لم يرها.

والصحيح أن الأخوة، ومن ثم الموالاة ثبتت بعقد الإسلام، وتبقى حتى بعد الاقتتال والبغي، بالدليل القاطع: }وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا! إن الله يحب المقسطين v إنما المؤمنون إخوة، فأصلحوا بين أخويكم! واتقوا الله لعلكم ترحمون{، فلا تنقطع إلا بالكفر. أما الهجر، كما حصل للثلاثة الذين خلفوا، فهو عقوبة شرعية محددة على جريمة معينة، فلا يقاس عليها! ورسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لم يطبقها على خوالف المنافقين الكاذبين، أعداء الله ورسوله، وطبقها على ثلاثة من خيرة المسلمين، فما هي علة القياس ها هنا، إن كان القياس حقاً، يا أولي الألباب!

وكذلك ذم صحبة الفاسقين، وتشديد النصوص الشرعية على من كان «قعيدهم»، و«جليسهم»، و«خليطهم» لا يقتضي، بالضرورة، الهجر، ولا المعاداة، ولا يتناقض مع المبادرة بالسلام، والمقابلة بوجه طلق، وقتال العدو ــ أي الكفار ــ تحت راية واحدة! فالأمر ليس كما يظن أهل الغلو المهووسين: إما مخالطة تامة، ورضى بالفعل، بحيث يكون الإنسان «قعيداً»، و«خليطاً»، و«جليساً» للفساق، وإما هجر تام، وامتناع عن إلقاء السلام!

سبحان الله! فأين المرتبة المتوسطة: إظهار السخط على المعصية، ونقدها، واجتناب المخالطة التامة، والصداقة الحميمة، فلا يكون الإنسان له «قعيداً»، أو «جليساً»، أو «خليطاً»، لا سيما في حالة مباشرة المعصية، مع مواصلة الأخ العاصي، والتلطف معه، والسلام عليه، والدعاء له، بالهداية والتوبة، في حضوره، وغيبته، وزيارتة في مرضه، وتهنئته في مناسباته، وتشييع جنازته، ... إلخ.

(11) الدعاء للإخوان في حياتهم بالنصر والتمكين، وبعد مماتهم بالمغفرة والرضوان، فقد ورد في الحديث الصحيح: «ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملَك: ولك، بمثل». ولا يجوز أن يعجز عن هذه المرتبة مسلم، ولا أحسب أن في قلب من قصر عنها، عمداً، مثقال حبة خردل من إيمان، أو إسلام، أو توحيد!

فكيف يكون حال الدولة «السعودية»، التي سماها كبير كهنتها ابن باز دولة مباركة نصر الله بها الحق وأهله)، التي حرمت على أئمة المساجد الدعاء للمجاهدين الشيشان، أو القنوت لهم، إلا بعد استحصال إذن «ولي الأمر». صدر هذا في تعميم رسمي من وزير أوقافهم «الشيخ» صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ جاء فيه نصاً: [فقد بلغنا قيام بعض أئمة المساجد بالقنوت للمسلمين الشيشان، وحيث أن هذا يتطلب إذن ولي الأمر. فاعتمدوا إبلاغ الأئمة بالامتناع عن ذلك. والرفع لنا عمن لا يلتزم به]. صالح هذا هو حفيد مؤسس الدعوة الوهابية الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب. ووالله الذي لا إله إلا هو ما هو بصالح، بل هو «طالح». والرجل قد طلب من العلم الشرعي ما يجعله يعلم علم يقين أن دعاء المؤمنين بعضهم لبعض بظهر الغيب لا يحتاج إلى إذن نبي مرسل، ولا ملك مقرب. وحري به أن يعلم أن «ولي أمره» فهد بن عبد العزيز آل سعود، المنافق القذر السافل، الأشيمط الزاني بمحارمه، ما هو إلا «ولي للشيطان» بتوليه الكفار، وتبديله الشرائع، وحكمه بالكفر، وأكله الربا جهاراً، وعهره ودنسه وفسقه، وأن حقه أن تضرب عنقه، لا أن يطاع أمره. ولكن «الشخة» صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ يفتري على الله الكذب، فتعساً له، وأولى له!

(12) المداومة على المحبة والموالاة حتى الموت، وذلك لأنها عبادة يتقرب بها العبد إلى الله رب العالمين، وليس للعبادة أجل دون الموت، قال تعالى: }واعبد ربك حتى يأتيك اليقين{!

وما ذكرناه آنفاً من الحقوق الازمة للأخوة الريمانية، والولاية الدينية، لا يجوز تحريفه أو مسخه بالزعم أنه فقط من باب الفضائل، والقيم الأخلاقية على المستوي الفردي المحض، بل لا بد من تطبيقه على المستوي الجماعي والاجتماعي والسياسي، بل والدولي، وإلا عاد فارغ المحتوى، عديم المحصول.

وقد وقع هذا المسخ والتحريف، ولا يزال يقع، من الكثيرين من العوام، بل والخواص، وحتى من المنتسبين إلى العلم الشرعي. لذلك لا بد من مواجهته ومعاجته بقوة حتى لا ينمسخ الإسلام إلى نصرانية روحية محضة، أو إلى زهد هندي، وهوس صوفي؛ وحتى لا ينحط التوحيد إلى مباحث مهووسة في شرك «القبور»، و«القباب»، و«الصخور»، وثانويات فقهية حول «التوسل والوسيلة»، و«شد الرحال إلى المساجد»، وغيرها من المضحكات المبكيات.

فمن ذلك: أحكام التابعية، تابعية الدولة الإسلامية، وقد عالجناها في باب قائم بنفسه من هذا الكتاب.

u فصل: هل في المال حق غير الزكاة؟!

ومن ذلك أيضاً المسألة المشهورة: (هل في المال حق غير الزكاة؟!)، التي سنختصر القول فيها في هذا الفصل اختصاراً.

أما عن علاقة ذلك بـ«الموالاة والمعاداة» فهي، بحمد الله واضحة: فمن امتنع عن مواساة إخوانه المسلمين عند حاجتهم بفضل ماله، حتي ولو كان فيما يتجاوز ويزيد على للزكاة المفروضة، فما هو بمتولي لهم، بل هو قد خذلهم، وأسلمهم، خلافاً لما تقتضيه الولاية الإسلامية، والأخوة الدينية.

v كما جاء في «المحلى»، (ج: 6 ص: 156وما بعدها): [مسألة: قال أبو محمد: (وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك، إن لم تقم الزكوات بهم، ولا في سائر أموال المسلمين بهم فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يكنهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة).

برهان ذلك قول الله تعالى: }وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل{، وقال تعالى: }وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم{، فأوجب تعالى حق المساكين وابن السبيل وما ملكت اليمين مع حق ذي القربى وافترض الإحسان إلى الأبوين وذي القربى والمساكين والجار وما ملكت اليمين والإحسان يقتضي كل ما ذكرنا، ومنعه إساءة بلا شك. وقال تعالى: }ما سلككم في سقر v قالوا لم نك من المصلين v ثم ولم نك نطعم المسكين{، فقرن الله تعالى إطعام المسكين بوجوب الصلاة.

وعن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من طرق كثيرة في غاية الصحة أنه قال: «من لا يرحم الناس لا يرحمه الله».

قال أبو محمد: ومن كان على فضلة ورأى المسلم أخاه جائعا عريان ضائعا فلم يغثه فما رحمه بلا شك. وهذا خبر رواه نافع بن جبير بن مطعم وقيس بن أبي حازم وأبي ظبيان وزيد بن وهب وكلهم عن جرير بن عبد الله عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، روى أيضا معناه الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، . وحدثناه عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد حدثنا إبراهيم بن أحمد حدثنا الفربري حدثنا البخاري حدثنا موسى بن إسماعيل هو التبوذكى عن ابن سليمان عن أبيه حدثنا أبو عثمان النهدي أن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق حدثه أن أصحاب الصفة كانوا ناسا فقراء وأن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس أو سادس»، أو كما قال، فهذا هو نفس قولنا.

ومن طريق الليث بن سعد عن عُقَيْل بن خالد الزهري أن سالم بن عبد الله بن عمر أخبره أن عبد الله بن عمر أخبره أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه». قال أبو محمد من تركه يجوع ويعرى وهو قادر على إطعامه وكسوته فقد أسلمه.

حدثنا عبد الله بن يوسف هؤلاء أحمد بن فتح حدثنا عبد الوهاب بن عيسى حدثنا أحمد بن محمد حدثنا أحمد بن علي حدثنا مسلم بن الحجاج حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا أبو الأشهب عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له»، قال: (فذكر من أصناف المال ما ذكر، حتى رأينا أنه لاحق لأحد منا في فضل)

قال أبو محمد وهذا إجماع الصحابة رضي الله عنهم يخبر بذلك أبو سعيد وبكل ما في الخبر نقول.

ومن طريق أبي موسى عن النبي، صلى الله عليه وسلم: «أطعموا الجائع، وفكوا العاني». والنصوص من القرآن والأحاديث الصحاح في هذا تكثر جدا

وروينا من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لأخذت فضول أموال الأغنياء فقسمتها على فقراء المهاجرين!)، وهذا إسناد في غاية الصحة والجلالة!

ومن طريق سعيد بن منصور عن أبي شهاب عن أبي عبد الله الثقفي عن محمد بن علي بن الحسين عن محمد بن علي بن أبي طالب أنه سمع علي بن أبي طالب يقول: (إن الله تعالى فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم: فإن جاعوا أو عروا وجهدوا فبمنع الأغنياء، وحق على الله تعالى أن يحاسبهم يوم القيامة، ويعذبهم عليه)

وعن ابن عمر أنه قال: (في مالك حق سوى الزكاة)

وعن عائشة أم المؤمنين والحسن بن علي وابن عمر أنهم قالوا كلهم لمن سألهم: (إن كنت تسأل في دم موجع، أو غرم مفظع، أو فقر مدقع: فقد وجب حقك!).

وصح عن أبي عبيدة بن الجراح وثلثمائة من الصحابة رضي الله عنهم أن زادهم فني فأمرهم أبو عبيدة فجمعوا أزوادهم في مزودين وجعل يقوتهم إياها على السواء. فهذا إجماع مقطوع به من الصحابة رضي الله عنهم لا مخالف له منهم!

وصح عن الشعبي ومجاهد وطاوس وغيرهم كلهم يقول: (في المال حق سوى الزكاة!).

قال أبو محمد وما نعلم عن أحد منهم خلاف هذا إلا عن الضحاك بن مزاحم فإنه قال: (نسخت الزكاة كل حق في المال)، قال أبو محمد: وما رواية الضحاك حجة فكيف رأيه؟!

والعجب أن المحتج بهذا أول مخالف له فيرى في المال حقوقا سوى الزكاة: منها النفقات على الأبوين المحتاجين، وعلى الزوجة، وعلى الرقيق وعلى الحيوان، والديون، والأروش فظهر تناقضهم!

فإن قيل فقد رويتم من طريق ابن أبي شيبة حدثنا أبو الأحوص عن عكرمة عن ابن عباس قال: (من أدى زكاة ماله فليس عليه جناح أن لا يتصدق)

ومن طريق الحكم عن مقسم عن ابن عباس في قوله تعالى: }وآتوا حقه يوم حصاده!{: (نسختها العشر ونصف العشر).

فإن رواية مقسم ساقطة لضعفه وليس فيها لو صحت خلاف لقولنا، وأما رواية عكرمة فإنما هي أن لا يتصدق تطوعا وهذا صحيح، وأما القيام بالمجهود ففرض ودين وليس صدقة تطوع.

ويقولون: (من عطش فخاف الموت، ففرض عليه أن يأخذ الماء حيث وجده، وأن يقاتل عليه!)، قال أبو محمد: (فأي فرق بين ما أباحوا له من القتال على ما يدفع به عن نفسه الموت من العطش وبين ما منعوه من القتال عن نفسه فيما يدفع به عنها الموت من الجوع والعرى؟! وهذا خلاف للإجماع وللقرآن وللسنن وللقياس).

قال أبو محمد ولا يحل لمسلم اضطر أن يأكل ميتة أو لحم خنزير وهو يجد طعاما فيه فضل عن صاحبه لمسلم أو لذمى لأن فرضا على صاحب الطعام إطعام الجائع، فإذا كان ذلك كذلك فليس بمضطر إلى الميتة ولا إلى لحم الخنزير وبالله التوفيق

وله أن يقاتل عن ذلك فإن قتل فعلى قاتله القود وإن قتل المانع فإلى لعنة الله لأنه منع حقا، وهو طائفة باغية، قال تعالى: }فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله{، ومانع الحق باغ على أخيه الذي له الحق، وبهذا قاتل أبو بكر الصديق رضي الله عنه مانع الزكاة وبالله تعالى التوفيق]، انتهى كلام الإمام الحجة الكبير أبي محمد علي بن حزم الأندلسي، رضي الله عنه بأحرفه، إلا علامات الترقيم، والصف والتسطير، فهي من عندنا.

قلت: بخٍ، بخٍ للإمام الفقيه الحجة أبي محمد علي بن حزم على هذا النظر السديد، والفهم الموفق. وكلامه هذا ينتظم، باختصار شديد، يراهين لا مزيد عليها، ولو بسطت لملأت المجلدات، ولعلنا نعود إليه في مقام آخر. وبكل ما قال أبو محمد نقول، وبه الله ندين!

بل قد جاءت جملة: «إن في المال لحقا سوى الزكاة»، مرفوعة إلى النبي، عليه وعلى اله الصلاة والسلام:

v كما جاء في «سنن الترمذي»: [حدثنا محمد بن أحمد بن مدويه حدثنا الأسود بن عامر عن شريك عن أبي حمزة عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس قالت سألت أو سئل رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، عن الزكاة فقال: «إن في المال لحقا سوى الزكاة»، ثم تلا هذه الآية التي في البقرة: }ليس البر أن تولوا وجوهكم، الآية{].

ــ وجاء نحو هذا مختصراً بدون ذكر الآية في «سنن الترمذي» من طريق ثانية عن شريك عن أبي حمزة، .. إلخ. وقال الإمام أبو عيسى الترمذي: (هذا حديث إسناده ليس بذاك، وأبو حمزة ميمون الأعور يضعف وروى بيان وإسماعيل بن سالم عن الشعبي هذا الحديث قوله وهذا أصح)، وقال الألباني: (ضعيف)، وهو كما قال.

وقد أشبعنا الطرق والأسانيد والمتابعات دراسة في الملحق وخلاصة ذلك: أنه بتلك الأسانيد الضعيفة لا تثبت لفظة: «إن في المال لحقا سوى الزكاة» من كلامه، عليه وعلى آله أكمل صلاة وأتم تسليم، فلا تجوز نسبتها إليه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، حذراً من مغبة الكذب عليه، وطاعة لنهيه: «من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار»، وإن كان معناها صحيحاً قامت عليه قواطع الأدلة، كما أسلفنا.

بل إن لفظة: «إن في المال لحقا سوى الزكاة»، تصحَّفت على بعض الرواة أو النساخ فجاءت جملة: (ليس في المال حق سوى الزكاة)، كما وقعت عند ابن ماجه:

v حيث جاء في «سنن ابن ماجه»: [حدثنا علي بن محمد حدثنا يحيى بن آدم عن شريك عن أبي حمزة عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس أنها سمعته تعني النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول: «ليس في المال حق سوى الزكاة»]، وقال الألباني: ضعيف منكر، وهو تقصير شديد، بل هي يقيناً لفظة مفتراة موضوعة، لأن هذا اللفظ هو النقيض التام للفظ الحديث كما ذكرناه آنفاً، وأشبعناه درساً في الملحق من طرق كثيرة. ويحيى بن آدم ثقة حافظ، إلا أنه لا يقوم في مواجهة كل من: شاذان أسود بن عامر، ومحمد بن الطفيل النخعي، وأبو الوليد بشر بن الوليد الفقيه العابد، وأسد بن موسى، وغيرهم الذين رووا هذه الجملة مغير لفظة «ليس»، التي قلبت المعنى إلى ضده.

فزيادة لفظة «ليس» في نص الحديث هي إما وهم شنيع، أو تصحيف قبيح من يحيى بن آدم، أو من علي بن محمد، أو من ابن ماجه نفسه، أو من نساخ كتاب ابن ماجه ورواته، ومن المحال أن يكون الأمر غير هذا!

وقد أعجبت هذه الأكذوبة: «ليس في المال حق سوى الزكاة» «عبدة» المال، وفسقة السلاطين، وفقهائهم، فطاروا بها كل مطار، نعوذ بالله من الهوى، ومضلات الفتن!

ولكنهم لم يكتفوا بذلك، بل اخترعوا غيرها مثل قولهم: (نسخت الزكاة كل صدقة):

v كما جاء مثلاً في «سنن الدَارَقُطْنِي»: [أخبرنا محمد بن يوسف بن سليمان الخلال أخبرنا الهيثم بن سهل أخبرنا المسيب بن شريك أخبرنا عبيد المكتب عن عامر عن مسروق عن علي قال قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «نسخ الأضحى كل ذبح وصوم رمضان كل صوم والغسل من الجنابة كل غسل والزكاة كل صدقة»]، وقال الإمام الدَارَقُطْنِي: (خالفه المسيب بن واضح عن المسيب هو بن شريك وكلاهما ضعيفان والمسيب بن شريك متروك).

فهذا إسناد منتن ساقط، يتنهي بمتن منكر، وقد ناقشنا في الملحق طرق الحديث الأخرى كما هي في «سنن الدَارَقُطْنِي»، وفي «سنن البيهقي الكبرى»، وكلها أضعف من هذا وأسقط.

ولعل أصل تلك المقولة الخبيثة هو الضحاك بن مزاحم فإنه ثبت عنه القول: (نسخت الزكاة كل حق في المال)، وهو كما قال أبو محمد علي بن حزم ليس بالحجة في روايته، وكذلك ضعفه الأئمة الأكابر، أمراء الحديث: شعبة بن الحجاج، ويحيى بن سعيد القطان، فأني أن يكون حجة في رأيه الساقط، وقوله المطَّرح الباطل؟!

وقد اغتر بهذه الأكاذيب نفر من الأئمة، من أمثال الإمام الجصاص:

v حيث قال في «أحكام القرآن للجصاص»، (ج: 1 ص: 161 وما بعدها): [وحدثنا عبدالباقي حدثنا أحمد بن حماد بن سفيان قال حدثنا كثير بن عبيد حدثنا بقية عن رجل من بني تميم الغرماء أبا عبدالله عن الضبي عن الشعبي عن مسروق عن علي قال قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «نسخت الزكاة كل صدقة».

ــ وحدثنا عبدالباقي قال حدثنا حسين بن إسحاق التستري قال حدثنا علي بن سعيد قال حدثنا المسيب بن شريك عن عبيد المكتب عن عامر عن مسروق عن علي قال: «نسخت الزكاة كل صدقة».

فإن صح هذا الحديث عن النبي ، صلى الله عليه وسلم، فسائر الصدقات الواجبة منسوخة بالزكاة وإن لم يصح ذلك مرفوعا إلى النبي ، صلى الله عليه وسلم، لجهالة راويه، فإن حديث علي عليه السلام حسن السند وهو يوجب أيضا إثبات نسخ الصدقات التي كانت واجبة بالزكاة وذلك لا يعلم إلا من طريق التوقيف فيعلم بذلك أن ما قاله علي هو بتوقيف من النبي، صلى الله عليه وسلم، إياه عليه.

وحينئذ يكون المنسوخ من الصدقات صدقات قد كانت واجبة ابتداء بأسباب من قبل من يجب عليه تقتضي لزوم إخراجها ثم نسخت بالزكاة نحو قوله تعالى: }وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه{، ونحو ما روي في قوله تعالى: }وآتوا حقه يوم حصاده{، إنه منسوخ عند بعضهم بالعشر ونصف العشر فيكون المنسوخ بالزكاة مثل هذه الحقوق الواجبة في المال ضرورة]، انتهى كلام الجصاص بتصرف طفيف جداً.

قلت: الحديث المذكور عند الجصاص، من طريق بقية، هو نفس حديثنا، وبقية مدلس، يدلس شر أنواع التدليس: تدليس التسوية، فلا تقبل روايته إلا إذا صرح بالتحديث عن شيوخه، وهؤلاء عن شيوخهم، وهكذا إلي منتهاه، فوق كونه ليس في ذاته بالثبت الحجة. فكيف وهو ها هنا قد عنعن عن مجهول؟!

أما الأثر المذكورعند الجصاص فهو عين حديثنا، أوقفه أحدهم على علي بن أبي طالب، سلام الله عليه، والإسناد، ليس حسناً، كما توهم الإمام الجصاص، بل هو ساقط واه بالمرة، لأن المسيب بن شريك متروك هالك، كما هو مفصَّل في الملحق، .

وحتى لو ثبت مثل هذا عن إمام الهدى، أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب، رضوان الله وسلامه عليه، من كلامه بأصح أسانيد الدنيا، لما كانت فيه أي حجة، لأنه يمكن أن يقال بالرأي، ولا توجد ضرورة شرعية أو عقلية تلزم باعتبارة توقيفاً من النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام. فالقول بالتوقيف، من غير برهان قاطع، رجم قبيح بالغيب، وقول على الله ورسله بغير علم، وهذا في غاية الفظاعة. وإنما الحجة في الروايات الصحيحة الثابتة فقط، وهذا ليس منها، وليس في الظنون والتخرصات أو الرجم بالغيب بالكذب.

ولكن الصحيح الثابت عن إمام الهدى، أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب، رضوان الله وسلامه عليه، هو عكس ذلك، كما ذكره الإمام الحجة أبو محمد علي بن حزم في النص آنف الذكر الذي نقلناه بطوله: [ومن طريق سعيد بن منصور عن أبي شهاب عن أبي عبد الله الثقفي عن محمد بن علي بن الحسين عن محمد بن علي بن أبي طالب أنه سمع علي بن أبي طالب يقول: (إن الله تعالى فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم: فإن جاعوا أو عروا وجهدوا فبمنع الأغنياء، وحق على الله تعالى أن يحاسبهم يوم القيامة، ويعذبهم عليه)]

وحاول بعضهم الاحتجاج بالساقط من الروايات من أمثال:

v ما جاء في «المستدرك على الصحيحين»: [أخبرنا علي بن محمد بن عقبة الشيباني حدثنا إبراهيم بن إسحاق الزهري حدثنا يحيى بن يعلى بن الحارث المحاربي حدثنا أبي حدثنا غيلان بن جامع عن عثمان بن القطان الخزاعي عن جعفر بن إياس عن مجاهد عن بن عباس، رضي الله تعالى عنهما، قال: لما نزلت: }الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله، ..، الآية{، كبر ذلك على المسلمين، وقالوا: (ما يستطيع أحدنا أن يترك مالا لولده يبقى بعده؟!)، فقال عمر: (أنا أفرج عنكم!)، قال: فانطلقوا وانطلق عمر واتبعه ثوبان فأتوا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: (يا نبي الله: قد كبر على أصحابك هذه الآية؟!)، فقال نبي الله، صلى الله عليه وسلم: «إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث في أموال تبقى بعدكم!»، قال فكبر عمر ثم قال له النبي، صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبرك بخير ما يكنزه المرء؟! المرأة الصالحة: إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته وإذا غاب عنها حفظته»]، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)، وقال الذهبي في التلخيص: (عثمان لا أعرفه، والخبر عجيب).

فنقول: لا عجب من الأحاديث المنكرة والساقطة، عثمان بن القطان الخزاعي، هو تصحيف من بعض الرواة أو النساخ، وإنما هو عثمان أبي اليقظان البجلي، معروف مشهور، مجمع على ضعفه، وعدم الاحتجاج به، قال الحافظ في «تقريب التهذيب»: [عثمان بن عمير بالتصغير، ويقال بن قيس، والصواب أن قيسا جد أبيه، وهو عثمان بن أبي حميد أيضا البجلي أبو اليقظان الكوفي الأعمى ضعيف واختلط وكان يدلس ويغلو في التشيع من السادسة مات في حدود الخمسين ومائة]، فقد جمع الرجل كل بلية: ضعف في الحفظ،. واختلاط على كبر، وتدليس، ثم غلو وإفراط.

وتجد هذا الحديث الباطل في «مسند أبي يعلى»، وفي «سنن البيهقي الكبرى»، وهو بنحوه في «المستدرك على الصحيحين» في موضع آخر بإسناد مدلَّس، وفي كل من «سنن أبي داود»، و«فضائل الصحابة» بنفس الإسناد الساقط المدلَّس وقد أشبعنا ذلك درساً ونقداً في الملحق.

v وجاء في «سنن الترمذي» حديث ساقط آخر: [حدثنا عمر بن حفص الشيباني البصري حدثنا عبد الله بن وهب أخبرنا عمرو بن الحارث عن دراج عن بن حجيرة هو عبد الرحمن بن حجيرة المصري عن أبي هريرة أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك»]، قال أبو عيسى: (هذا حديث حسن غريب وقد روي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، من غير وجه أنه ذكر الزكاة فقال رجل يا رسول الله هل علي غيرها فقال لا إلا أن تتطوع)، ولكن فطن لها الألباني فقال: (ضعيف). وهو أيضاً في «صحيح ابن حبان» حيث اغتر به الشيخ شعيب الأرناؤوط فقال: (إسناده حسن)، وتجده في «سنن ابن ماجه»، وفي «صحيح ابن خزيمة»، وهو في «المنتقى من السنن المسندة»، وأيضاً في «المستدرك على الصحيحين»، وفي «سنن البيهقي الكبرى»، وربما غيرها. وأحسن أحوال هذا أن يكون من كلام أبي هريرة رفعه أحد الضعفاء، كما بيناه في الملحق.

v وجاء في «صحيح ابن خزيمة» حديث ساقط آخر: [حدثنا يونس بن عبد الأعلى الصدفي أخبرنا بن وهب عن بن جريح عن بن الزبير عن جابر بن عبد الله عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «إذا أديت زكاة مالك فقد أذهبت عنك شره»] ،وهو في «سنن البيهقي الكبرى» من عدة طرق، وأيضاً في «المستدرك على الصحيحين» وقال الحاكم معقِّباً: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وشاهده صحيح من حديث المصريين).

قلت: نعم: رجاله ثقات رجال مسلم، إلا أن فيه عنعنة ابن جريج وعنعنة أبي الزبير، فلا يجوز أن يحتج به إلا بعد ثبوت الاتصال.

v والحق أنه منقطع كما ثبت في «سنن البيهقي الكبرى» من طريق أخرى: [وقد أخبرنا أبو نصر بن قتادة أنبأ أبو عمرو بن نجيد أنبأ أبو مسلم حدثنا أبو عاصم عن بن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرا يقول: «إذا أديت زكاة كنزك فقد ذهب شره»]، ثم عقَّب الإمام البيهقي قائلاً: (فذكره موقوفا، وهذا أصح). فظهر بذلك يقيناً أن الإسناد متصل صحيح إلى جابر، رضي الله عنه، من كلامه هو فقط، والرفع إنما جاء بأسانيد مدلَّسة، أسقط منها بعض الضعفاء أو الكذابين، فجعل الحديث موقوفاً على جابر هو الصحيح، إلذي لا تحل مخالفته إلا ببرهان.

قلت: ولعلنا لم نستقص كل الأحاديث الباطلة التي حاول بها أقوام نصرة باطلهم، وإقناع أنفسهم أن الزكاة هي كل شيء، خلافاً للحق الذي لا ريب فيه، وهو الذي قامت عليه قواطع الأدلة التي لخصها الإمام الفقيه الحجة أبو محمد علي بن حزم الأندلسي، رضي الله عنه، وهو: (أن في المال حقاً غير الزكاة)، فالحمد لله على توفيقه، لا إله إلا هو، عليه نتوكل، وبه نتأيد.

u فصل: هل الله «محبة»، كما تزعم النصرانية المحرفة؟!

بقيت مسألة واحدة يكرر دعاة النصرانية ترديدها، والإحالة إليها، وهي: أن الصلة بالله تبارك وتعالى تقوم في الإسلام على الخوف والتعظيم، فحسب، وليس للمحبة دور يذكر، بخلاف النصرانية التي تقوم على «المحبة»، بل تقول أن (الله محبة)، وتخاطب الله عز وجل، كما يخاطب الوالد المحب المشفق: (أبانا الذي في السماء تقدس اسمك، ...إلخ)، وهذا فيه من معاني القرب وحسن الصلة والمودة ما لا يوجد في غيره.

هكذا قالوا: وهذا زعم باطل، وجهل مطبق، أو كذب صريح من قائله، كما ظهر يقيناً من النصوص السابقة، فمحبة الله ركن أساس تقوم عليه العبودية، التي خلق الخلق لها، ولكنها ليست الركن الوحيد فكذلك تعظيمه وتوقيره ركن صلب آخر، والتذلل له والخضوع والتسليم لأمره، ركن آخر. وتحت ذلك كله أساس صلب وفرشة عريضة من الإيمان الصادق واليقين الراسخ والتصديق الجازم.

وما الذي جوَّز أن نقول: أن الله «محبة»، ولم يجوز أن نقول أنه «عظمة»، و«جلالة»، و«قدرة»، و«علم». وما الدافع إلى تغليب صفة على صفة، أو اعتبار على اعتبار: أهو الوحي، فأبرزوه لنا، أم هو الهوى والمزاج، وازدواجية المقاييس، والكيل بمكيالين؟! أليس من أبسط حقوق الله «المحبوب» على عبيده «المحبين» أن «يحبوه» كما هو في ذاته، لا كما هو في خيالاتهم أو تصوراتهم أو فرضياتهم، المبنية على مزاجهم وهواهم؟! وهل يسوغ لأحد أن يقول لمحبوبه: أحبك فقط لكذا وكذا، أما صفاتك الأخرى فلا أريدها، ولا أقبلها؟! هذا في حقيقته حب المحب لذاته ونفسه، وللصورة الخيالية التي قامت في ذهنه، وليس حباً للمحبوب المظلوم. وهل هذا هو التعامل اللائق مع الله، رب العالمين، الرؤوف الودود، القريب المجيب، الغني الحميد، اللطيف الخبير؟!

نعم: لقد تجنبت الرسالة الخاتمة الإفراط في استخدام لفظ «المحبة»، وامتنعت تماماً عن مخاطبة الله، جل وعز، بلفظ «أبانا»، أو تسميته بـ«الأب»، كما هو الحال في النصرانية، وكذلك إلى حدما في اليهودية، ذلك، والله أعلم، لما وقع في تلك الديانتين من تفريط وتجاوز في هذا الخصوص: فالذنوب تبرر، وتبديل الشرائع يعتذر له، والسكوت على الظلم والعدوان والباطل، والتخاذل عن نصرة المظلومين، يتحول، بأعجوبة، إلى فضيلة وبر بدعوى أن «المحبة» مقدمة على كل شئ، وحاكمة على كل شئ: (أليس الله محبة؟!)، (أليس الله أبا الجميع؟!). واليهود والنصارى يرددون ليل نهار: (نحن أبناء الله وأحباؤه)، والمقصود هو الإفلات من المساءلة، والتساهل في ارتكاب الجريمة، ولو كانوا كذلك بحق، أي محبين لله بمقام الأبناء البررة، لتصرفوا تصرف الإبن البار مع أبيه، والمحب مع حبيبه، ولكن واقع تصرفاتهم : من إماتة شرائع الله، والتساهل في حرمات الله، والخذلان لأولياء الله يبرهن أنهم من ذلك على طرف نقيض.

كما أن التساهل في استخدام ألفاظ الإبن والأب أدى فيما يتعلق خاصة بالسيد الوجيه المقرب عيسى بن مريم، مسيح الله، عليه وعلى والدته صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، إلى الخروج من المعنى المجازي الذي قصد بها إلى صرفها إلى «بنوة حقيقية» ومساواة «الإبن» لـ«أبيه» في الجوهر، أي أنه ذو جوهر إلهي، وعنصر أزلي، ...إلخ، ومن ثم الوقوع في شرك الذات الذي ذكرناه آنفاً، وأشبعناه درساً في كتابنا: (كتاب التوحيد: أصل الإسلام، وحقيقة التوحيد)، ثم الفرار منه بالقول بالتثليث، ثم إشكالات لا نهاية لها حول طبيعة المسيح وكيف ينسجم الإلهي مع البشري في ذات واحدة: تساهل وغلو يقود إلى خطأ، وخطأ يستفحل فيؤدي إلى أخطاء أخرى، ثم إلى بحر متلاطم من المستحيلات والتخيلات.

فهذه الرسالة الخاتمة جاءت، والحمد لله، بتشريعات متوازنة، وضمانات قوية تحمي جناب التوحيد، وصفاء المعتقد، وتقلل من خطر الوقوع في حبائل الشيطان، وتوصد الباب أمام الهوس، والغلو، والإفراط، وتحقق التوازن العقلي والشعوري والعاطفي: فتعظيم الله لا يطغى على محبته، وخشيته لا تطغى على رجاء رحمته ومغفرته، واستشعار هيبته وجلالته لا يطغى علي إدراك قربة والأنس بحضرته، لا إله إلا هو القريب الودود. ولم يكلف الناس لإدراك هذا التوازن إلا تكاليف سمحة سهلة، واحتياطات لفظية قليلة ميسورة: مكاسب كثيرة جليلة في مواجهة تكليفات قليلة ضئيلة.

وقد أظهرنا هذا مفصلاً في كتابنا: (كتاب التوحيد: أصل الإسلام، وحقيقة التوحيد)، فالحمد لله على هذه النعمة التامة، وعلى هذا الدين السمح السهل الميسور المتوازن الكامل، وعلى هذا الرسول النبي الأمي، محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله، الإنسان الخالص، والعبد الفاضل الكامل.

‏@ummahasm2
 
فهرس الأقسام » منتدى قضايا الأمة وأحداث الساعة
إذهب إلى :   
تنويه: المواضيع والمشاركات المنشورة في منتدى التجديد الإسلامي لا تعبر بالضرورة عن توجه حزب التجديد أو منتدى التجديد اذ انها لا تخضع للرقابة قبل النشر.
Disclaimer: Threads published in Tajdeed Forums do not necessarily reflect the vision of the PIR nor Tajdeed Forum because the threads are not subject to censorship before publication.